تحقيقات

عقوبة لا تنتهي بالإفراج.. الوصم الاجتماعي يطارد السجينات السابقات

وصم إجتماعي يلاحق المفرج عنهن

حين غادرت فاطمة (امرأة في نهاية الثلاثينيات) السجن اعتقدت أنها تركت الأسوأ خلف أبوابه. سنة كاملة قضتها في أحد السجون الليبية تنفيذا لعقوبة على خلفية قضية جنائية لتغادره بورقة رسمية تقول بأنها باتت حُرّة لتكتشف لاحقًا أن الأمر أعقد من ذلك.

حين عادت إلى حيّها القديم، اكتسبت اسمًا جديدًا. “المحبوسة”؛ كلمة باتت تسبق اسمها أينما ذهبت، وكأن المجتمع قرر اختصار سيرتها كاملة في عام واحد خلف القضبان. هذا الوصم جعلها تشعر بالندم على العودة إلى بيتها وحيّها، وتمنت لو كانت تملك خيار تغيير المكان، أو حتى المدينة بأكملها. لكنها، كما تقول، لا تريد وصمًا إضافيًا يطال إخوتها، فيُقال إن أختهم هربت “لتعيش على حلّ شعرها”.

عقوبة تبدأ بعد الإفراج
تقول فاطمة لـ”مواطن”: “في السجن كنت أعرف سبب عقابي، أمّا الآن فلا أعرف لماذا يعاقبني المجتمع مرّة أخرى”.

بعد خروجها، حاولت فاطمة أن تبدأ من جديد. اختارت مهنة الخياطة وفتحت باب بيتها للزبونات. في البداية، كانت النساء يُبدين إعجابهن بعملها، لكن كثيرات منهن كنّ يختفين بعد الزيارة الأولى. لاحقًا، صارحتها إحدى الجارات بالحقيقة: “النساء خائفات… سمعتك تخوّف”.

لم يكن المجتمع وحده قاسيًا عليها. داخل العائلة، لم تكن العودة إلى “الحضن” سهلة. تقول فاطمة إنها تلقت أقسى أشكال الإقصاء من أقرب الناس إليها. طلب منها أحد إخوتها ألّا تجلس مع بناته، بينما نصحها آخر بألّا تكثر من الخروج “حتى لا يكثر الكلام”، مضيفًا، بحسب وصفها، أن الكلام “لا ينقصها”.

وتضيف: “تحوّل البيت إلى مساحة ضيقة. الجدران بدأت تضيق عليّ أكثر من الزنزانة”. فبدل أن يكون المنزل ملاذًا آمنًا بعد السجن، أصبح مكانًا يذكّرها يوميًا بأنها غير مرحّب بها، حتى بين أهلها.

حالات “الحبس الاجتماعي” بعد الإفراج شائعة، إذ تُمنع بعض النساء من مغادرة منازلهن مدى الحياة، فيما تعود أخريات إلى السجن بسبب ظروف اجتماعية قاهرة، مثل العنف الأسري، أو التفكك العائلي، أو غياب أي شكل من أشكال الاحتضان

لم تتوقف محاولات فاطمة عند الخياطة. تقدمت إلى أكثر من عمل بسيط، لكنها لم تُسأل يومًا عن مهاراتها أو كفاءتها. السؤال كان دائمًا عن ماضيها، وعن “سمعتها” كسجينة سابقة، وهي صفة سبقتها أينما ذهبت. تقول باستغراب: “كنت أتعجب كيف تصل هذه المعلومة إليهم قبلي”.

وتتابع: “الجميع كان يصدر حكمه عليّ. سجينة سابقة تعني مشكلة محتملة. المجتمع قرر أن العقوبة لا تنتهي بانتهاء الحكم”.

بعد تفكير طويل، اختارت فاطمة الابتعاد عن المواجهة. بدأت بصناعة الفطائر وبيعها للمقاهي بسعر الجملة، تفاديًا للتعامل المباشر مع الزبائن والناس. لم يكن ذلك خيارها الأول، لكنه كان، كما تقول، الطريقة الوحيدة للاستمرار دون أن تكون في مرمى الأحكام المسبقة يوميًا.

مصائر متباينة
توضح الأفندي زينب، وهي ضابطة في سجن النساء بمدينة سبها، أن مصير السجينات بعد الإفراج يختلف جذريًا بحسب نوع القضية، لا بحسب مدة العقوبة أو انتهائها. وتشير إلى أن بعض القضايا تُقابل اجتماعيًا بمحاولات “احتواء”، بينما تُقابل أخرى بإقصاء دائم.

وتلفت زينب إلى أن في قضايا “المواقعة الجنسية” (وهي جريمة في القانون الليبي)، يُعاد دمج بعض السجينات عبر تزويجهن، وغالبًا لا يعدن إلى السجن مرة أخرى. في المقابل، تواجه سجينات قضايا أخرى، مثل المخدرات أو القتل، مدد سجن أطول، ومعاناة أشد بعد الإفراج، حيث لا تجد كثيرات منهن من يستقبلهن، أو يوفر لهن حدًا أدنى من الأمان الاجتماعي.

وتؤكد أن حالات “الحبس الاجتماعي” بعد الإفراج شائعة، إذ تُمنع بعض النساء من مغادرة منازلهن مدى الحياة، فيما تعود أخريات إلى السجن بسبب ظروف اجتماعية قاهرة، مثل العنف الأسري، أو التفكك العائلي، أو غياب أي شكل من أشكال الاحتضان. وتشير إلى أن بعض العائلات تضطر إلى تغيير مدينة سكنها بالكامل، هربًا من الوصم المرتبط بوجود “سجينة سابقة” داخل الأسرة.

وتختم زينب بأن نظرة المجتمع إلى السجينات تبقى سلبية في الغالب، بغض النظر عن طبيعة القضية أو انتهائها قانونيًا، وهو ما يجعل الإفراج في كثير من الحالات بداية لمعاناة جديدة، لا نهايتها.

حين يعجز القانون عن الحماية
من زاوية قانونية، ترى سحر بانون، وكيلة وزارة العدل السابقة والمشرفة على سجون النساء بين عامي 2013 و2018، أن الواقع يكشف فجوة عميقة بين النصوص القانونية والتطبيق. وتوضح أن القانون رقم (5) لسنة 2025 ينص على إخطار وزارة الشؤون الاجتماعية قبل الإفراج عن السجينات بشهرين، وتوفير فرص عمل، وبرامج تدريب مهني داخل السجون، مع منح شهادات دون الإشارة إلى مكان التدريب، تفاديًا للوصم.

لكن بانون تؤكد أن هذه الإجراءات تبقى، في الغالب، حبرًا على ورق. وتكشف أن نسبة كبيرة من السجينات يعدن إلى السجن في ما يُعرف بـ”قضايا العود”، بسبب غياب المتابعة بعد الإفراج، ورفض العائلات استلام بناتهن، وغياب بدائل حماية حقيقية. وتشير إلى أن بعض السجينات يبقين داخل السجن بعد انتهاء محكوميتهن لعدم وجود وليّ أمر يستلمهن، ما يدفع إدارة السجون إلى البحث عن أقارب من درجات أبعد، أو إحالة الحالة إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
وتحذر بانون من أن هذا الفراغ القانوني والاجتماعي يدفع بعض النساء إلى خيارات هشة، مثل الزواج غير الآمن، بحثًا عن مأوى، وهو ما قد يقودهن لاحقًا إلى قضايا جديدة، وإلى العودة مجددًا إلى السجن.

وفي ما يتعلق بالقاصرات، تؤكد بانون أن غياب الحماية القانونية والنفسية يُضاعف الضرر، إذ تعاني كثيرات من اضطرابات نفسية حادة، في ظل جهل بحقوقهن، وتاريخ طويل من العنف الأسري والانقطاع عن التعليم، ما يجعلهن عرضة لوصم دائم لا يزول بانتهاء العقوبة.

وتختتم بانون بالتشديد على أن العدالة ليست قرار إفراج فقط، بل سلسلة تبدأ بوزارة الداخلية، وتمتد إلى وزارة العدل، ثم الشؤون الاجتماعية والضمان الاجتماعي، محذّرة من أن كسر أي حلقة في هذه السلسلة يعيد السجينة إلى نقطة الصفر: السجن، من جديد.

الأثر النفسي لما بعد السجن
ترى الطبيبة النفسية سعاد المجبري أن تجربة السجن تترك بصمات نفسية عميقة لا تنتهي لحظة الإفراج، بل تبدأ فعليًا مع الخروج إلى المجتمع. فالأيام والساعات التي تسبق الإفراج تكون مشحونة بالقلق والأسئلة: هل ستعود الحياة كما كانت؟ وكيف سيكون استقبال الأسرة والمحيط الاجتماعي؟

وتوضح المجبري أن مرحلة ما بعد الإفراج تُعد من أكثر المراحل تعقيدًا نفسيًا، إذ قد تعاني السجينة من اضطرابات متعددة، من بينها القلق، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، خاصة إذا كانت تجربة السجن الأولى لها. وتؤثر هذه الاضطرابات بشكل مباشر على قدرتها على التكيّف مع الحياة خارج أسوار السجن، لا سيما خلال الأسابيع الأولى، حيث تجد نفسها في مواجهة نظرات مختلفة، وسلوكيات يغلب عليها الترقّب، وفقدان الثقة بالنفس.

نظرة المجتمع إلى السجينات تبقى سلبية في الغالب، بغض النظر عن طبيعة القضية أو انتهائها قانونيًا، وهو ما يجعل الإفراج في كثير من الحالات بداية لمعاناة جديدة، لا نهايتها.

وتشير المجبري إلى أن الشعور بالعزلة، والخوف من عدم تقبّل المجتمع، وتأنيب الذات، والانشغال المفرط بالمستقبل، كلها عوامل تعيق الاندماج الاجتماعي، وتنعكس سلبًا على الصحة النفسية للسجينة السابقة. وتؤكد أن إعادة بناء الثقة بالنفس وبالآخرين لا تقع على عاتق المرأة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحمّلها الأسرة والمجتمع والمؤسسات المعنية.

وتشدد على أهمية توفير دعم نفسي متخصص، من خلال خدمات استشارية وعلاجية تساعد السجينات على التعافي من الصدمات، وتطوير آليات التكيّف، ومعالجة المشاعر السلبية. كما تؤكد ضرورة تنفيذ برامج لتنمية المهارات الحياتية، إلى جانب جلسات علاج أسري تُسهم في إعادة التوازن داخل الأسرة، وتعزّز قيم القبول والتسامح.

وتختم المجبري بالتأكيد على أن احتواء السجينة السابقة، وتوفير بيئة آمنة وداعمة، وإتاحة الفرصة لها للتعبير عن مشاعرها وبناء علاقات اجتماعية صحية، تُعد عوامل أساسية في تقليل الوصم الاجتماعي، وتعزيز الصحة النفسية، ومنع الانتكاس أو العودة إلى السجن، بما يتيح إمكانية الاندماج الإيجابي في المجتمع.

وبين ورقة الإفراج ونظرة المجتمع، تضيع كثير من السجينات السابقات. يخرجن من السجن، لكن السجن لا يخرج منهن. ينتقلن من زنزانة مغلقة بباب، إلى سجن أكبر بلا جدران. وبين نص قانوني معطّل، ومجتمع قاسٍ، وغياب المتابعة المؤسسية، تتحوّل الحرية إلى عبء، ويغدو السجن، في مفارقة قاسية، المكان الوحيد الذي يضمن حدًا أدنى من الاستقرار.

إعداد : ريما الفلاني

أُنتجت هذه المادة بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR)“

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى