“شن يقولوا الناس؟!”.. مُطلّقات ليبيا بين الوصم المجتمعي وتعقيدات القانون
مُطلّقات ليبيا بين الوصم المجتمعي وتعقيدات القانون

“قبل الطلاق كنت زوجة فلان، التي كانت -في نظرهم- امرأة محترمة لديها زوج، أما الآن، وبعد أن حصلت على صفة “مطلّقة”؛ أواجه أحكامًا جاهزة لا تعرف الرحمة”. بتلك الكلمات تصف هدى، امرأة ليبية في منتصف الثلاثينيات، ولم يثمر زواجها عن أولاد، نظرة المجتمع لها بعد طلاقها. تقول لـ”مواطن”: “الناس ما تسأل شنو صار، ما تعرفش التفاصيل، لكن تنطق بسهولة: أكيد غلطت، ليش ما صبرتش، يا ربي تبعد على رجالتنا، وكأن الطلاق ينزع عني أخلاقي، أو يحولني لمصدر خطر”.
وتضيف هدى: ما كانت معاناتي في إجراءات المحكمة؛ بل بدأت المعاناة الحقيقية بعدها، مع نظرات الجيران اللي تتابعني من أول خطوة خارج الباب مع زميلات الشغل اللائي يسألن أسئلة جارحة: علاش طلقك؟ شن المشكلة؟ وكأن الطلاق جريمة لازم نعترف بأسبابها.
“أمّا أصعب محطات رحلتي فكانت يوم رجعت لبيت أهلي، كنت أحسب أن بيت أهلي هو الحضن والملجأ، المكان اللي يلملم روحي، لكن رجوعي ما كانش هكذا، استقبلتني أمي بدموع غزيرة، لكن مش دموع فرح، كانت دموع خوف وكسرة، شن يقولوا (ماذا سيقول) الناس؟ والدي كان ساكت، وكنت نحس إن سكوته أثقل من الكلام، كأن الطلاق ما هو قرار امرأة؛ بل عبء على البيت كله.
أما إخوتي فقد اختلفوا، منهم من وقف معي بقلبه، ومنهم من نظر لي كأني “عارفة شن يستنى فيك”، وكأن حياته كلها تغيرت لأنه أخته رجعت مطلّقة.
“قعدت نسمع في كلمات موجعة: تحمّلي، حتى لو غلطتي، الناس ما ترحمش، عيب ترجعي، الصبر خير من كلمة مطلقة. كنت نبغي حضن يهون عليا مصابي، حد يفهمني ويدعمني، لكن للأسف لقيت لوم وحرص زايد إلى حد الخوف من كلام الناس أكثر من خوفي أنا على نفسي”.
تختتم هدى حديثها قائلة: “كل يوم ننحط في امتحان؛ ففي الشغل لازم نبرهن للعالم أني “محترمة”، وفي البيت لازم نتحمل نظرات الشفقة أو الاتهام، في الشارع لازم نتجاهل نظرات ما فيها احترام، في المجتمع، لازم ندافع عن سمعتي وكأني متهمة بلا دليل؛ فالمطلقة في ليبيا تدفع ثمن قرارها كل يوم، حتى لو كانت ضحية أو كانت شجاعة”.
ترى فايزة أنها لم تفقد شيئًا على المستوى الشخصي بسبب الطلاق؛ بل على العكس تمامًا؛ فقد أصبح اعتمادها على نفسها أكبر وأقوى، وشعرت بأنها أكثر قدرة على مواجهة الحياة وتولي مسؤولية أطفالها
أمّا فايزة، أم لطفلين، تروي لـ”مواطن” تجربتها مع الطلاق بعد عشر سنوات من الانفصال، مبيّنة أن أول ردة فعل من محيطها القريب كانت داعمة بشكل غير متوقع؛ فبمجرد إعلانها قرار الطلاق، اعتبر الجميع من أسرتها وأقاربها أنها اتخذت الخيار الصحيح من البداية، وأن استمرارها في زواج لم يكن له مستقبل سيزيد من معاناتها ومعاناة أطفالها، كانوا يرون أن الانفصال المبكّر أفضل من التمسّك بعلاقة نهايتها معروفة، ولهذا وقفوا معها وساندوها وأكدوا لها أن القرار صائب، وأنها اختارت الطريق الأنسب لحياتها وأطفالها.
تقول فايزة إن نظرة المجتمع للمطلّقة ما زالت عالقة بين فئتين؛ فئة واعية متحضرة بدأت تتقبل فكرة الطلاق باعتباره خيارًا إنسانيًا، وفئة أخرى ما زالت تُحمّل المطلّقة وصمة جاهزة، وتتعامل معها كأنها ارتكبت خطأ لا يُغتفر. وتتابع؛ رغم أن المجتمع تطوّر، لكنني واجهت عديد الانتقادات تصل إلى حد الوصم من أناس مازالوا ينظرون للمطلّقة بنظرة اشمئزاز، كأنها مشكلة أو عيب، ومنهم يوجه لك مباشرة كلامه ويسميني: تلك المطلقة لازم تقعد في بيتها وتربي صغارها، وما تطلقش مهما تعبت، لازم تضحي، لأنها هي اللي بتتحمل، والمجتمع بيعيش معها.
وتضيف أن هذه الفئة لا تكتفي بالأحكام؛ بل تمارس سلوكًا سلبيًا مباشرًا تجاه المطلّقة في الأماكن العامة والجهات الحكومية، أول ما يسمعوا أنك مطلّقة، تتلقّين نظرات غريبة، كأنك مصابة بمرض، في المحكمة، في السجل المدني، في المستشفيات نظرات احتقار ودونية واضحة.
وتشير إلى أن بعضهم يستغل وضع المرأة المطلّقة بشكل مهين. “فيه ناس يبتزّوا فيك، يقول لك: نجيب لك ورقتك بسرعة، نمشّولك إجراءاتك، بس كلّميني أو اعطيني رقمك. بالنسبة لهم، المطلّقة سهلة، وكل الطير يتاكل لحم، يحسبوها تمشي مع أي طريق، لكنها تؤكد أن هذا الوهم ينهار عندما يواجهون امرأة مطلّقة محترمة وقادرة على حماية نفسها، أول ما يلقاك واقفة ومحترمة ومسدودة عليهم، يفوتوا ويدوروا على غيرك، على واحدة يتوقعوا يحصلوا منها مقابل”.
ترى فايزة أنها لم تفقد شيئًا على المستوى الشخصي بسبب الطلاق؛ بل على العكس تمامًا؛ فقد أصبح اعتمادها على نفسها أكبر وأقوى، وشعرت بأنها أكثر قدرة على مواجهة الحياة وتولي مسؤولية أطفالها، الشيء الوحيد الذي تعتبره خسارة حقيقية هو فقدان أطفالها لوجود الأب وحنانه ودوره في حياتهم، وهذا أكثر ما يؤثر في نفسها.
أضرار نفسية وجسدية
بحسب الاستشارية النفسية زينب الزايدي، يعدّ الطلاق واحدًا من أصعب التجارب التي تمر بها المرأة؛ فهو يدفعها لمواجهة موجة من المشاعر السلبية، كالقلق والوحدة والشعور بالذنب والاكتئاب، لكن الأخطر هو الوصم الاجتماعي الذي يحمّل المرأة مسؤولية انهيار الزواج، ويصوّرها على أنها “من خرّبت بيتها” أو “لم تستطع الحفاظ على أسرتها”، حتى وإن كانت تعيش وسط عنف أو إدمان أو تهديد لحياتها؛ فبدلًا من دعمها يطالبها المجتمع -غالبًا- بتحمّل المعاناة تحت شعار “كل النساء تتحمل”.
وتضيف خلال حديثها لـ”مواطن”: أن الضغوط الاقتصادية تعمّق الأزمة؛ فكثير من المطلقات غير عاملات ودون دعم مالي، بينما ينسحب العديد من الآباء من حياة أطفالهم ويتخلون عن مسؤولياتهم، مما يضاعف العبء النفسي والاجتماعي على المرأة، مشددة على أن استمرار هذا الضغط دون تدخل علاجي يقود إلى الاحتراق النفسي، وهو حالة يصعب التعافي منها إلا عبر برامج دعم مكثفة غير متاحة لمعظم النساء.
وعن الأعراض التي تظهر على المطلقة نتيجة هذه الضغوط، تشير الزايدي إلى أنها تتنوع بين نفسية وجسدية، نفسيًا تعاني المرأة من انخفاض حاد في تقدير الذات بسبب النظرة الدونية المحيطة بها، وتميل إلى العزلة لتجنب التعليقات والتدخلات، كما يرافقها خوف شديد من المستقبل وعدم القدرة على مواجهة المجهول، مما يجعلها عرضة للاكتئاب، أما جسديًا فتظهر أعراض مثل الصداع وآلام الصدر ومشكلات التنفس واضطرابات المعدة والقولون العصبي، إضافة إلى اضطرابات حادة في النوم والشهية، والتي قد تقود بدورها إلى تفاقم الحالة النفسية.
موضحة أن هذا الخوف المجتمعي لا يظهر بعد الطلاق فقط؛ بل يسبق القرار نفسه؛ فالكثير من النساء يظللن في علاقات زوجية مؤذية خوفًا من لقب “مطلقة” وما يرافقه من نظرة سلبية؛ بل يُفضل بعضهن تحمّل العنف والخطر على مواجهة مجتمع سيصفها بالفشل، رغم أن الطلاق في كثير من الحالات يكون هو الطريق الوحيد للنجاة النفسية والجسدية، إلا أن المرأة تجد نفسها ممزقة بين استمرار مؤذٍ وقرار تخشى تبعاته الاجتماعية.
ولا يقتصر تأثير الوصم على المرأة فقط؛ إذ يتأثر الأطفال بشكل مباشر، وتؤكد الزايدي أنهم يشعرون بالحزن والخوف والارتباك، وينخفض مستوى تحصيلهم الدراسي بسبب القلق المستمر. كما يواجهون صعوبة في بناء العلاقات الاجتماعية ويميلون إلى العزلة، وقد ينحرف بعض المراهقين نحو سلوكيات خطرة كالتدخين أو التعاطي أو حتى السلوك العدواني، بحسب ما أثبتته العديد من الدراسات.
المطلقات يواجهن أشكالًا متعددة من العنف
تبين الناشطة الحقوقية وعضو هيئة التدريس بالجامعات الليبية والأكاديمية الليبية للدراسات العليا بجنزور أ.د. ناجية عياد العطارق، أن قضية المطلقات في ليبيا تُعد من الملفات الحساسة التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي رغم خطورتها واتساع آثارها الاجتماعية، موضحة في حديثها لـ”مواطن”: أن النساء المطلقات يتعرّضن لأشكال متعددة من العنف الاجتماعي والاقتصادي والقانوني، تبدأ بالوصم والنظرة الدونية، واتهامهن بهدم البيوت، وصولاً إلى تقييد حركتهن ومنعهن من العمل بدافع الخوف من “القيل والقال”. وتشير إلى أن بعضهن يواجهن عنفًا اقتصاديًا واضحًا من خلال الامتناع عن دفع النفقة أو المماطلة فيها، إضافة إلى ضعف فرص العمل والتمييز في التوظيف.
وتؤكد “العطارق” أن العنف القانوني يمثل جانبًا آخر من الأزمة؛ إذ تعاني كثير من النساء من بطء الإجراءات في قضايا النفقة والحضانة والرؤية، إضافة إلى الضغوط التي تُمارس عليهن للتنازل عن حقوقهن تفاديًا للفضيحة، أما العنف الأسري؛ فتقول إنه ما زال واقعًا مؤلمًا يظهر في إجبار المطلقة على العودة إلى بيت العائلة، أو حرمانها من أطفالها أو استخدامهم كورقة ضغط.
وفيما يتعلق بوجود مؤسسات دعم للمطلقات داخل ليبيا، توضح أن الدعم موجود لكنه محدود وضعيف مقارنة بالحاجة؛ فوزارة الشؤون الاجتماعية تقدم مساعدات نقدية، لكنها غير مخصصة للمطلقات؛ فيما تقتصر لجان فضّ المنازعات على الوساطة، أما منظمات المجتمع المدني فتركّز على تقديم الاستشارات القانونية والدعم النفسي وورش التوعية، لكنها محدودة الانتشار وتتركز في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة، وتشدد على غياب مراكز الحماية أو الإيواء الحكومية، وغياب برامج التمكين الاقتصادي الشامل.
وترى الناشطة الحقوقية أن كبرى المشكلات تواجه المطلقات هي الوصم الاجتماعي، مؤكدة أنه “العائق الأخطر”، لأنه ينعكس على العمل والعلاقات والحياة اليومية ويؤثر حتى على علاقة المرأة بأطفالها وقدرتها على اتخاذ قراراتها، وتضيف أن المشكلات الاقتصادية والقانونية تزيد من العبء، لكنها في الغالب ناتجة عن المشكلة الاجتماعية الأساسية.
وحول مستوى التوعية القانونية، تعتبر أن أغلب النساء لا يحصلن على المعرفة القانونية الكافية بحقوقهن، وأن الكثيرات يعتمدن على نصائح العائلة والمجتمع بدلاً الاستشارة المتخصصة، في ظل غياب برامج حكومية واضحة للتوعية.
قوانين لا تواكب التغيرات الاجتماعية
توضح محامية الأحوال الشخصية آمال العروصي، أن القانون الليبي المنظّم للزواج والطلاق، وهو القانون رقم 10 لسنة 1984، أصبح اليوم غير مواكب للتغيرات الاجتماعية والعادات الحديثة؛ فقد صدر القانون في وقت كانت فيه كثير من المفاهيم الاجتماعية أكثر تشددًا، بينما تغيّر المجتمع اليوم وأصبح العديد من المسائل بحاجة إلى تعديل جذري؛ بل إن محاولات تعديل القانون كانت مطروحة حتى قبل 2011.
وتشير العروصي إلى أن بعض النصوص الواردة في قانون الأسرة لا تتماشى حتى مع روح الشريعة أو الواقع الاجتماعي؛ مثل بعض القيود المرتبطة بزواج الليبية من أجنبي، أو أحكام الغياب، أو بنود كانت في الماضي تُعدّ “عيبًا” وأصبحت اليوم أكثر قبولًا.
تتعرض النساء المطلقات لأشكال متعددة من العنف الاجتماعي والاقتصادي والقانوني، تبدأ بالوصم والنظرة الدونية، واتهامهن بهدم البيوت، وصولاً إلى تقييد حركتهن ومنعهن من العمل بدافع الخوف من “القيل والقال
كما أن إجراءات قضايا التطليق في ليبيا من إحالة للحكمين، إلى الجلسات السرية، إلى التحقيق؛ قد تستغرق أشهرًا طويلة أو حتى سنة كاملة بسبب بطء بعض القضاة أو ترددهم في إصدار الحكم. ويجعل هذا المرأة «لا متزوجة ولا مطلقة»؛ أي معلّقة، وهو وضع حذّر منه الشرع قبل القانون. كما يفتح البطء أبوابًا للمكائد وتزايد الشقاق بين الزوجين، بينما السرعة المفرطة أيضًا قد تظلمهما إذا كانت هناك فرصة للإصلاح، مشددة على ضرورة وجود توازن ومنح فرصة حقيقية للصلح، لكن دون إطالة القضية بلا مبرر.
حقوق اقتصادية غير مضمونة
ترى العروصي أن أحكام النفقة من أكثر الجوانب التي لم تكن منصفة للمرأة المطلقة؛ فعلى الرغم من أن القانون يُلزم الزوج بالإنفاق على زوجته، إلا أن هناك نصًا آخر يُلزم الزوجة أيضًا بالإنفاق على زوجها وأبنائها في حال كان الزوج معسرًا أو عاجزًا عن العمل، وهو أمر كان -اجتماعيًا- غير مقبول في ليبيا، لكن بعض الرجال استغلوا هذا النص لرفع دعاوى نفقة ضد زوجاتهم العاملات.
وتوضح أن نظام حبس الزوج الممتنع عن دفع النفقة غير فعّال؛ إذ يُمنح الزوج إنذارًا لعشرة أيام، وإن لم يدفع يُحبس لمدة لا تتجاوز عشرين يومًا، ثم يخرج دون دفع دين النفقة؛ بل ويكرر الامتناع، وحتى بعض النفقات الأخرى مثل نفقة العدة والمتعة لا يوجد نص واضح يلزم بحبس الممتنع عن دفعها، مما يجعلها أحكامًا -فقط- على الورق.
أما في حالة النفقة على الأبناء؛ فتزداد المعضلة حين لا يكون الزوج موظفًا أو ليس له حساب مصرفي يمكن الحجز عليه؛ فالكثير من الرجال؛ خصوصًا العاملين في الأعمال الحرة يتخلصون من أي أصول يمكن حجزها قبل صدور الحكم؛ مثل سحب رصيدهم من المصرف أو نقل ملكية السيارات، مما يجعل تنفيذ الحكم شبه مستحيل، واصفة هذه الحالات بأنها من كبرى مشكلات المطلقات بعد الطلاق.
كما أن تنفيذ أحكام مؤخر الصداق، والمتعة والتعويض من أصعب الملفات؛ ففي حال كان الزوج ثريًا ويعمل عملًا حرًا، يصبح التنفيذ تعجيزيًا، لأن الحجز لا يتم إلا على حساب مصرفي أو سيارة، وهذان الخياران غالبًا ما يُفرغهما الزوج من أية قيمة قبل استلام الإعلان. أما إذا لم يكن له مرتب ثابت؛ فإن الحكم يصبح مجرد ورقة تنتظر أن «يظهر» للسلطات من جديد لتعاد محاولات التنفيذ.
وتتحدث المحامية عن صعوبات أخرى تواجه المرأة المطلقة؛ منها ضرورة تنفيذ أحكام النفقة في مكان إقامة الزوج، مما يجبرها على التنقل بين المدن، كأن تكون هي في طرابلس، بينما هو في الكفرة أو المرج، وتصطدم أحيانًا بتهاون بعض الأجهزة المحلية أو المحاباة القبلية، مما يحوّل النفقة مرة أخرى إلى مجرد وثيقة غير مفعّلة.
وتشير إلى أن بعض المحاكم حاولت معالجة الأزمة عبر مخاطبة جهة عمل الزوج مباشرة لاستقطاع النفقة من مرتبه كاملًا، حتى لو كانت النفقة تساوي المرتب كاملًا حمايةً للأطفال، لكن هذا الإجراء ليس منصوصًا عليه في القانون، ويُعد اجتهادًا من بعض القضاة في محاكم بوسليم وجنزور وسوق الجمعة.
الحضانة.. إنصاف جزئي وثغرات خطيرة
تؤكد المحامية أن نظام الحضانة في ليبيا منصف نسبيًا، لكنه يشهد ثغرات مهمة مقارنة بقوانين دول عربية أخرى؛ ففي حين يعتمد القانون الليبي ترتيبًا واضحًا للحضانة: الأم، ثم أم الأم، ثم الأب، إلا أن هناك حالة حسّاسة؛ وهي وفاة الأم الحاضنة؛ ففي حين تمنح قوانين دول أخرى الأب حق الأولوية إذا كان أصلح للأطفال؛ فإن القانون الليبي يدفع الحضانة مباشرة إلى الجدة (أم الأم)، دون النظر لصلاحية الأب أو ظروفه.
وتضيف أن بعض الجدّات يأخذن الحضانة أحيانًا بدافع الحصول على الامتيازات المرتبطة بها، مثل النفقة والسكن، دون أن يكنّ قادرات فعليًا على رعاية الأطفال، سواء أكان بسبب كبر السن أو المرض، ويجعل هذا بعض الأطفال يفقدون أمهاتهم ثم يُحرمون من أبيهم أيضًا دون سبب منطقي.
نظام الحضانة في ليبيا منصف نسبيًا، لكنه يشهد ثغرات مهمة مقارنة بقوانين دول عربية أخرى
وتتحدث العروصي عن حلول مطبّقة في دول مثل مصر والإمارات عبر صندوق النفقات، وهو جهة حكومية تتولى دفع النفقة للمطلقة فور تأخر الزوج، ثم تسترد الدولة الأموال من الزوج لاحقًا، حتى لو استغرق ذلك سنوات أو تم عبر تشغيله في السجن، وتصف هذا النظام بأنه الحل الأكثر فعالية لإنهاء معاناة المطلقات.
أهمية الدعم النفسي والاجتماعي للمطلقة
تؤكد الاستشارية النفسية زينب الزايدي على ضرورة توفير الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي للمرأة المطلقة؛ فالدعم النفسي يتم عبر الاستعانة باستشاري نفسي أو الانضمام إلى مجموعات دعم، وهي خطوة تمنح المرأة الإحساس بأنها ليست وحدها، وأن تجارب ناجحة أخرى قادرة على إلهامها، بينما يبدأ الدعم الاجتماعي من الأسرة والأصدقاء وزملاء العمل، الذين يجب أن يلعبوا دورًا إيجابيًا بدلًا من الابتعاد أو اللوم، ويظل الدعم الاقتصادي عنصرًا حاسمًا؛ إذ يمنح المرأة شعورًا بالقوة والاستقرار؛ خاصة إذا كان لديها عمل أو دخل ثابت يساعدها على تلبية احتياجاتها واحتياجات أطفالها.
كما ترى أن المرأة أيضًا عليها أن تدعم نفسها بنفسها وألا تكبت مشاعرها، وأن تواجه واقع الانفصال بتفكير عقلاني، وألا تتسرع في الدخول في علاقة جديدة بدافع التعويض أو إثبات الذات، لأن التسرع قد يضاعف مشاكلها بدلاً من حلها. وتختتم حديثها بأن الطلاق -رغم صعوبته- هو حل شرعي وضرورة لمن لا تستطيع العيش بأمان، وأن على المجتمع التوقف عن النظر إليه كفشل شخصي للمرأة؛ بل كخيار إنساني للحفاظ على سلامة الأسرة.
أمّا الناشطة ناجية عياد العطارق فتدعو إلى حملات إعلامية قوية تُعيد تقديم صورة المرأة المطلقة، مع التركيز على قصص نجاح حقيقية، كما شددت على أهمية إشراك الأئمة والدعاة في نشر خطاب ديني يُذكّر بأن الطلاق حل شرعي “وليس عارًا”، إضافة إلى إنشاء مجموعات دعم نفسي واجتماعي، والعمل على تمكين النساء اقتصاديًا عبر التدريب والمشاريع الصغيرة والقروض الميسرة.
موصية بضرورة التسريع في إجراءات المحاكم الخاصة بالنفقة والحضانة، وتفعيل دوائر تنفيذ متخصصة لقضايا الأسرة، وتوفير دعم قانوني مجاني للفئات الهشة، كما دعت المجتمع إلى تغيير نظرته للطلاق، وتشجيع العائلات على دعم بناتهن، ورفض استخدام الأطفال كأداة ضغط، وأكدت أن تعزيز الوعي والتمكين الاقتصادي والمعرفي للنساء هو الطريق الأقوى لتخفيف الضغوط وبناء حياة أكثر استقرارًا وكرامة للمطلقات في ليبيا.
أمّا الخبير الاجتماعي المتخصص في المشكلات الأسرية، د. مؤيّد جمعة أبو حميدة؛ فيؤكد خلال حديثه لـ”مواطن” على ضرورة تفكيك النظرة السلبية للمطلّقات. يّرجع “مؤيّد” تلك النظرة إلى المجتمع الليبي القديم الذي كان يتميز بالترابط والقيم المحافظة والاستقرار الأسري، وبسبب قلّة حالات الطلاق آنذاك، كانت المطلّقة تُعامَل على أنّ طلاقها نتيجة “خطأ كبير”، وغالبًا ما تُوصم بسلوك غير أخلاقي أو سوء تربية، انتقل هذا الحكم الاجتماعي عبر الأجيال وأصبح ثقافة راسخة رغم تغيّر الزمن.
يرى الخبير الاجتماعي أن البداية يجب أن تكون من المرجعية الإسلامية والقيم الأخلاقية التي تقوم على التسامح والعدل واحترام المرأة، ثم ينتقل التغيير إلى، الفرد الذي يعيد النظر في أحكامه الجاهزة، وإلى الأسرة التي تتحول من خصم إلى سند، والمجتمع ومؤسساته التي تنشر التوعية، ويجب على المنابر الإعلامية والدينية أن تلعب دورًا أساسيًا في تصحيح المفاهيم.
ويؤكد أن المجتمع الليبي يمتلك بالفعل قاعدة قوية من القيم الراقية، وأن المرأة الليبية مطلّقة أو غير ذلك، تُعد من أكثر النساء احترامًا ورقيًّا، لكنها تحتاج فقط إلى دعم وتفهّم بدلاً من زيادة الضغط عليها.
إعداد : ايمان بن عامر
انتجت هذه المادة بدعم من صحفيون من اجل حقوق الانسان”




