Uncategorizedمقالات

حكاية “وَيْه” من تراث القرية ……

حكاية من تراث القرية

في قريتنا، حيث البيوت الطينية تتعانق مع أشجار النخيل، وحيث الساحات تمتلئ بأحاديث النساء في الأمسيات، كان من المألوف أن تسمع إحداهن وهي تصف شيئًا مدهشًا أو وجهًا بديعًا فتقول لصاحبتها: “تقولي وَيْه”… أي أنك إذا رأيته فلن تجدي إلا أن تصرخي دهشةً: “وَيْه!”.

 

هذه الكلمة الصغيرة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد صيحة عابرة، تحمل في طياتها عبق الماضي وبلاغة العرب الأوائل. فهي ليست لهجة دارجة فحسب، بل امتداد لفصيح القول الذي استعمله العرب للتعجب والانبهار. فقد كانوا يقولون: “وَيْ لأمّه ما أجملَه!” أو “وَيْ لأمّه ما أشجعَه!”، وهو أسلوب مدح وتعجب يفيد أن الشيء بلغ الغاية ولا نظير له. ومع الزمن خُففت العبارة لتصبح: ويلُمِّه أو لوَيْلمُه.
أما في قريتنا، فقد بقيت “ويه” حيّة، تُنطق بإمالة صوتية تجعل الياء أقرب إلى الـ /eɪ/ الإنجليزي (كما في Way أو Day). وهذه الظاهرة، التي يسميها اللغويون الإمالة الصغرى، ليست خطأً في النطق، بل أثر من لهجة عربية قديمة ما زالت تتنفس في كلامنا اليومي.
بلاغيًا: عبارة “تقولي ويه” هي نوع من المبالغة بالقطع؛ أي أن الجمال تجاوز حدود الوصف، حتى أن قولك “جميل” أو “وسيم” يُعد تقصيرًا في حقه.
صوتيًا: النطق الموسيقي لـ “ويه” يمنحها وقعًا خاصًا في الأذن، وكأنها لحن قصير يختصر الانبهار.
ثقافيًا: انحصار الاستعمال عند النساء جعلها علامة وجدانية مرتبطة بالزينة والدهشة الجمالية، بينما الرجال اكتفوا بألفاظ أخرى مثل “عجيب” أو “خطير”.
وليس غريبًا أن نجد أثرها في النصوص الفصيحة أيضًا، كما في القرآن الكريم: {وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}. فهي أداة تعجب واندهاش، بقيت تتردد في لهجاتنا اليومية، لتصبح جزءًا من ذاكرة القرية.
وهكذا، فإن كلمة “ويه” ليست مجرد صيحة، بل هي حكاية من تراث القرية، تحمل في نبرتها عطر الماضي وشذى البلاغة العربية الأصيلة. إنها شاهد حي على أن الفصحى لم تمت، بل بقيت تتجلى في لهجاتنا اليومية، في صيحاتنا، وفي دهشتنا أمام الجمال الذي لا نظير له.
أما نحن، فنقول اليوم كما قالت الجدات قديمًا: “إدري-ويه”… فهي العطر والشذى، وذاكرة القرية التي لا تزول.
“ويه” قصة تُروى، لا مجرد كلمة و الحنين إلى الماضي الذي يسكن تفاصيل حياتنا اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى