
بعد سنوات من الغياب، عدتُ إلى ليبيا من بريطانيا وأنا أحمل الكثير من الحنين، ورغبة صادقة في اكتشاف ما تغيّر. فالزمن — مهما بلغت صعوبة الظروف السياسية والاقتصادية يُفترض أن يترك أثرًا ملموسًا: خدمة أصبحت أكثر كفاءة، مؤسسة أعادت تنظيم أوراقها، أزمة مزمنة تراجعت حدتها، أو على الأقل إحساسًا عامًا بأن الأمور تتحرك إلى الأمام.
لم أكن أتوقع وطنًا بلا مشاكل، ولم أعد محمّلًا بتصور وردي أو بصورة مثالية عن الواقع. أعرف حجم الأزمات المترابطة التي مرت بها البلاد، وأدرك تمامًا أن إصلاح البنية التحتية وقطاع بحجم قطاع الكهرباء لا يحدث بلمسة زر.
لكنني، وبكل صراحة، لم أتوقع أيضًا أن أعود بعد كل هذه السنوات لأجد نفسي أعيش بعض التفاصيل اليومية ذاتها، وأطرح الأسئلة القديمة نفسها.
وكانت الكهرباء واحدة من أسرع القضايا التي أعادتني إلى أرض الواقع.
عدتُ… فعاد السؤال القديم
في الأيام الأولى لعودتي، عشت انقطاعًا طويلًا للتيار الكهربائي، بالتزامن مع درجات حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة جعلتا مجرد البقاء داخل المنزل تجربة مرهقة.
عندما تنقطع الكهرباء وسط هذه الأجواء، لا يقتصر الأمر على انطفاء مصباح.
يتوقف التكييف، وترتفع حرارة الغرف تدريجيًا، ويبدأ العداد التنازلي لبطاريات الهاتف والحاسوب وبقية الأجهزة. وبصورة تلقائية، تجد نفسك تدير مخزون الطاقة في أجهزتك وكأنك في غرفة طوارئ مصغرة.
وعندما يعود التيار، تصبح الأولوية شحن كل شيء بأسرع ما يمكن، لأنك ببساطة لا تعرف متى سيكون الانقطاع التالي، ولا كم سيستمر.
وهنا تتجلى المفارقة:
هل ما زال من المقبول، بعد كل هذه السنوات، أن يكون هذا الاستنزاف جزءًا طبيعيًا من يوم المواطن الليبي؟
في أي منظومة خدمات مستقرة، لا يُفترض أن يستيقظ الإنسان وهو يفكر في الكهرباء، أو أن يخطط لمهامه اليومية بناءً على احتمال انقطاعها.
الكهرباء بنية أساسية حيوية يُفترض أن تعمل في الخلفية دون أن تشغل تفكير المواطن طوال الوقت، وألا يفكر فيها إلا عندما يحدث عطل استثنائي.
أما أن يتحول وجودها وغيابها إلى محور لتنظيم اليوم، فهذا يعني أن المشكلة تجاوزت حدود العطل الفني العابر.
المسألة تجاوزت مجرد «الضي طفى»
أنماط حياتنا اليوم تختلف جذريًا عما كانت عليه قبل عقدين.
العمل يعتمد على الكهرباء، والتعليم يعتمد عليها، كما ترتبط بها الاتصالات والخدمات الرقمية والمصرفية والمؤسسات التجارية والمرافق المنزلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وحين تضطرب شبكة الكهرباء، لا تبقى آثار المشكلة داخل حدود المحطات وخطوط النقل.
في 18 يوليو 2026، أدى انقطاع واسع للتيار الكهربائي في المنطقة الشرقية إلى توقف الكهرباء عن حقول آبار السرير وتازربو ومحطة ضخ المياه في بنغازي، وفق جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي، وهو ما يوضح بصورة عملية كيف يمكن لأزمة الكهرباء أن تنتقل مباشرة إلى خدمة أساسية أخرى هي المياه.
وفي اليوم ذاته، أعلنت الجهات المختصة خروج عدد من محطات التوليد الرئيسية، من بينها محطتا الخليج ومصراتة، وفقدان نحو 1350 ميغاوات من قدرة الشبكة، قبل البدء تدريجيًا في إعادة الشبكة إلى الخدمة.
هذا الترابط يوضح أن انقطاع الكهرباء لا يبقى محصورًا في قطاع الطاقة.
قد يبدأ من وحدة توليد، لكنه يصل في النهاية إلى مياه المواطن واتصالاته وعمله وقدرته على ممارسة حياته اليومية بصورة طبيعية.
محظوظ نسبيًا… ولكن ماذا عن الآخرين؟
هنا تأخذ القضية بالنسبة لي بُعدًا شخصيًا وحقوقيًا آخر.
أنا أعيش مع آثار شلل الأطفال منذ طفولتي، وأعتبر نفسي محظوظًا نسبيًا في هذه النقطة؛ فحالتي من ناحية التنفس مستقرة، والحمد لله، ولا تعتمد حياتي بصورة مباشرة ومستمرة على جهاز كهربائي يبقيني على قيد الحياة.
لكن ماذا عن غيري؟
ماذا عن شخص ذي إعاقة يعتمد على جهاز تنفس صناعي أو جهاز طبي يعمل باستمرار؟
ماذا عن شخص يحتاج إلى جهاز أكسجين أو مُركِّز أكسجين منزلي؟
ماذا عن شخص يعتمد بصورة كاملة على كرسي متحرك كهربائي يحتاج إلى الشحن حتى يستطيع ممارسة حقه في الحركة والاستقلال داخل بيته وخارجه؟
وماذا عن شخص لا يملك أصلًا رفاهية القول: «نستنى لين يرجع الضي»؟
هنا تتغير طبيعة المشكلة بالكامل.
بالنسبة لي، قد يعني الانقطاع حرارة شديدة، ورطوبة خانقة، وتعطل عملي، وانخفاض شحن أجهزتي.
لكن بالنسبة إلى إنسان آخر، قد يعني استمرار الكهرباء استمرار عمل جهاز ضروري لتنفسه أو صحته.
وهنا قد تصبح المسألة حياة أو موت.
وهذا ليس توصيفًا عاطفيًا ولا مبالغة.
تنبه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الأشخاص الذين يعتمدون على أجهزة طبية كهربائية، مثل أجهزة التنفس، إلى ضرورة الاستعداد لانقطاع التيار وتوفير بدائل للطاقة، لأن فقدان الكهرباء قد يؤثر مباشرة في سلامة تشغيل هذه الأجهزة.
ومن هنا تصبح العبارة أكثر دقة:
الكهرباء بالنسبة للبعض ليست مجرد ضوء… إنها شريان حياة.
الكهرباء من منظور حقوقي… لا إحسانًا
لا ينبغي أن تُطرح القضية باعتبارها مطالبة بامتياز خاص للأشخاص ذوي الإعاقة.
إنها مسألة حقوق.
تنص اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في المادة 10 على الحق الأصيل في الحياة، وضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة لضمان تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بهذا الحق على قدم المساواة مع الآخرين.
أما المادة 11، فتُلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأشخاص ذوي الإعاقة وضمان سلامتهم في حالات الخطر والطوارئ. وليبيا دولة طرف في الاتفاقية منذ تصديقها عليها في فبراير 2018.
ووفق المقاربة الاجتماعية للإعاقة، لا تكمن المشكلة دائمًا في حالة الإنسان الجسدية، بل كثيرًا ما تنشأ الإعاقة أو تتفاقم عندما تكون البيئة والخدمات والبنية التحتية غير مهيأة لتلبية احتياجات الناس على قدم المساواة.
ومن هذا المنطلق، يجب أن تتضمن أي خطة وطنية للطاقة والطوارئ آليات واضحة وآمنة — مع احترام الخصوصية — لتحديد ومساندة الحالات التي تعتمد على الأجهزة الطبية والتقنيات المساعدة، إلى جانب توفير مصادر احتياطية للطاقة، ونقاط للشحن أو الدعم عند الأزمات، وقنوات اتصال فعالة يمكن اللجوء إليها أثناء الانقطاعات الطويلة.
هذا ليس إحسانًا.
إنه جزء من مسؤولية الخدمة العامة.
بين البيانات الرسمية والواقع الميداني
حتى يكون النقد منصفًا، لا يمكن الاكتفاء بتجربتي الشخصية وحدها.
في 6 يونيو 2026، حذرت الشركة العامة للكهرباء من عجز إنتاجي تجاوز 1000 ميغاوات نتيجة نقص إمدادات الغاز الطبيعي والوقود الخفيف والثقيل، وأشارت إلى أن ذلك أثر في استقرار الشبكة وقدرات عدد من محطات التوليد.
وفي المقابل، هناك أعمال ومشروعات وصيانة مستمرة لا يمكن تجاهلها، كما عُقدت اجتماعات رسمية خلال يونيو لمتابعة توفير الوقود والغاز لمحطات التوليد وضمان جاهزية الشبكة خلال ذروة الصيف.
كما يشير تقييم حديث للبنك الدولي إلى إحراز تقدم منذ عام 2022 في خفض مدة وتكرار انقطاعات الكهرباء، لكنه يشدد في الوقت نفسه على الحاجة إلى استكمال قدرات توليد جديدة وصيانة المحطات الحالية لضمان استمرار هذا التحسن.
وهذا مهم.
فالنقد الموضوعي لا يعني نفي الجهود التي يبذلها المهندسون والفنيون والعاملون في الميدان وسط ظروف معقدة.
ولا يعني الادعاء بأن شيئًا لم يحدث.
لكن التقييم الحقيقي لأي سياسة عامة لا يُقاس فقط بعدد الاجتماعات أو العقود أو نسب الإنجاز المعلنة.
بل يُقاس بالنتيجة التي تصل إلى بيت المواطن.
يُقاس بقدرة الطالب على الدراسة.
وبقدرة الموظف على إنجاز عمله.
وبقدرة الأسرة على العيش بصورة طبيعية.
ويُقاس أيضًا بقدرة الشخص الذي يعتمد على جهاز طبي أو وسيلة مساعدة كهربائية على أن يعيش دون خوف من أن تصبح بطارية جهازه هي الفاصل بينه وبين الخطر.
غياب المعلومة يضاعف الأزمة
المعلومة.
عندما تنقطع الكهرباء لساعات، ماذا يفعل المواطن؟
هل الانقطاع ناتج عن عطل محلي؟
هل هناك طرح للأحمال؟
هل المشكلة في المنطقة فقط، أم في أجزاء واسعة من الشبكة؟
كم يُتوقع أن يستمر الانقطاع؟
وبمن يتصل المواطن للحصول على معلومة موثوقة؟
والأهم: ماذا تفعل عائلة يوجد داخل منزلها شخص يعتمد على جهاز طبي يعمل بالكهرباء؟
في عصر التكنولوجيا والتحول الرقمي، لا ينبغي أن يُضطر المواطن إلى البحث بين منشورات مواقع التواصل الاجتماعي والتعليقات والشائعات لمعرفة سبب توقف خدمة أساسية.
نحتاج إلى منصة واضحة تعرض حالة الشبكة، والأعطال الرئيسية، والمناطق المتأثرة، ومعلومات محدثة عن موعد عودة الخدمة كلما كان ذلك ممكنًا.
ونحتاج إلى رقم فعلي وفعّال للطوارئ والاستفسارات.
وإذا اضطرت الشبكة إلى تطبيق طرح الأحمال، فمن حق المواطنين معرفة ذلك بصورة واضحة وعادلة.
واللافت أن الحكومة نفسها شددت في يونيو 2026 على أن أي عمليات لطرح الأحمال يجب أن تتم وفق أسس عادلة وشفافة، وتوزيع متوازن بين المناطق والمدن.
المطلوب إذن ليس اختراع فكرة جديدة، بل تحويل هذا المبدأ إلى ممارسة يراها المواطن ويستطيع التحقق منها.
التعايش ليس حلًا
أخطر ما يمكن أن يحدث أمام أزمة مزمنة ليس استمرار الأزمة فقط.
بل الاعتياد عليها.
أن تتحول عبارة «الضي طفى» إلى أمر عادي لا يستدعي السؤال.
أن نبدأ بتكييف حياتنا بالكامل مع غياب الخدمة بدل أن نطالب بتحسينها.
أن يصبح شراء مولد أو بطاريات أو منظومة طاقة شمسية هو الحل النهائي للأزمة.
هذه الحلول قد تكون ضرورية لحماية الأسرة والتخفيف من آثار الانقطاع، لكنها تظل حلولًا فردية.
ولا يمكن أن تكون بديلًا عن مسؤولية الدولة والمؤسسات في بناء خدمة عامة مستقرة.
لا أريد، بعد سنوات من الغياب، أن أعود لأتعلم من جديد كيف أتعايش مع المشكلة.
أريد أن أسأل:
لماذا ما زالت موجودة؟ وكيف يمكن أن ننهيها؟
وهناك فرق كبير بين السؤالين.
من إدارة الأزمة إلى إدارة الخدمة
ما نحتاج إليه، في رأيي، هو الانتقال من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية إدارة الخدمة.
إدارة الأزمة تبدأ بعد انقطاع الكهرباء: البحث عن سبب الخلل، وتوفير الوقود، وإصلاح الأعطال، وإصدار البيانات، ثم إعادة الشبكة إلى العمل.
أما إدارة الخدمة فتبدأ قبل وقوع الأزمة.
تعني الصيانة الاستباقية.
والتخطيط المبكر.
وتوفير الوقود بصورة مستقرة.
وتطوير قدرات التوليد والنقل والتوزيع.
وتنويع مصادر الطاقة حيث يكون ذلك ممكنًا ومجديًا.
وتوفير البيانات للمواطنين بدقة وشفافية.
ووضع خطط طوارئ تشمل الأشخاص ذوي الإعاقة والمرضى وكبار السن وغيرهم ممن قد تشكل الانقطاعات الطويلة خطرًا مباشرًا عليهم.
وتعني أيضًا وجود مساءلة واضحة، بحيث نقيس نجاح قطاع الكهرباء بجودة الخدمة واستقرارها، لا فقط بحجم الأموال التي أُنفقت عليه أو بعدد المشروعات التي أُعلن عنها.
بعد سنوات من الغياب… ماذا تغيّر؟
العودة إلى الوطن بعد سنوات تمنح الإنسان مسافة مختلفة للنظر إلى الأشياء.
ترى الشوارع والمباني والمشروعات الجديدة، وتلاحظ الأشياء التي تغيرت فعلًا.
لكن، في الوقت نفسه، تصدمك الملفات التي تجدها في المكان نفسه الذي تركتها فيه.
وبالنسبة لي، كان انقطاع الكهرباء واحدًا من تلك اللحظات.
جلست وسط حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة، أراقب شحن أجهزتي ينخفض واحدًا تلو الآخر.
وفكرت:
أنا، والحمد لله، أستطيع تحمل هذا الوضع لبعض الوقت.
لكن ماذا عن إنسان يتوقف الجهاز الذي يساعده على التنفس عندما تنقطع الكهرباء؟
عندها يصبح السؤال أكبر من تجربتي الشخصية.
إنه سؤال عن نوع الدولة والخدمة العامة التي نريدها.
هل نريد دولة تتحرك فقط عندما تقع المشكلة؟
أم دولة تبني أنظمتها بحيث تمنع المشكلة قدر الإمكان، وتعرف كيف تحمي مواطنيها عندما تقع؟
أنا لا أكتب هذا المقال للتقليل من جهود المهندسين والفنيين والعاملين في قطاع الكهرباء، ولا للقول إن إصلاح أزمة تراكمت عبر سنوات أمر بسيط.
أكتبه لأن استمرار الأزمة لا ينبغي أن يحولها إلى شيء طبيعي.
وأكتبه لأنني عدت بعد سنوات وأنا أتمنى أن أرى ليبيا تتحرك إلى الأمام، لا أن أتعلم من جديد كيف أتعايش مع مشكلات كان يُفترض أننا بدأنا في تجاوزها.
الكهرباء ليست رفاهية.
ليست مجرد تكييف في يوم حار.
وليست فقط مصباحًا في غرفة مظلمة.
إنها عمل، وتعليم، واتصال، ومياه، وحركة، واستقلال، وصحة.
وبالنسبة لبعض الناس… هي الحياة نفسها.
ولهذا، بدل أن نستمر في تكرار السؤال الليبي القديم:
«متى يرجع الضي؟»
ربما حان الوقت لأن نسأل السؤال الأهم:
متى نبني منظومة كهرباء تجعل هذا السؤال نفسه جزءًا من الماضي؟
لأن نجاح الدولة لا يُقاس فقط بما تعلنه من مشروعات، بل بقدرتها على جعل أبسط تفاصيل حياة مواطنيها تعمل كما يجب.
والتغيير الحقيقي يبدأ عندما نرفض أن يتحول الخلل المزمن إلى نمط حياة عادي.
إعداد : عبد السلام شليبك
