
في غرفة شبه معتمة لا يبدد عتمتها سوى ضوء خافت يتسلل من مصباح المضاء في صالة المنزل، جلست مريم (اسم مستعار) على حافة السرير، وضعت يدها فوق بطنها المنتفخ، بينما كانت تتحسس بالأخرى جانبها الأيسر، كأنها تحاول أن تطمئن نفسها قبل أن تطمئن جنينها. بصوت مثقل بالحزن قالت لوالدتها: “ما قعد على الولادة إلا شهرين، كلمت خالتي زينب تستقبلني في المطار، حجزت العيادة و الشقة، نبّي (نرغب) نمشي ونرجع من غير ما حد يحس”. لم تكن مريم تخطط لسفر عادي، بل لهروب مؤقت من مجتمع تخشى أحكامه أكثر مما تخشى مرضها.
في مدنٍ يفترض أن تكون المستشفيات فيها ملاذًا آمنًا تختار بعض النساء أن يلدن في الخفاء. لا لأنهن يرفضن العلاج ولا لأنهن يجهلن الخطر بل لأن الخوف من الوصم الاجتماعي صار أقسى من المرض نفسه. وبين حقٍ مكفول في الرعاية الصحية وهاجسٍ دائم من الفضيحة، تتخذ نساء مصابات بفيروس نقص المناعة البشرية قرارات مصيرية في الظل؛ بالسفر سرًا، أو الولادة في المنازل، أو الابتعاد عن المستشفيات، في محاولة لحماية أنفسهن وأطفالهن من مجتمع لا يزال يخلط بين المرض والإدانة”.
تشخيص مفاجئ
مريم، سيدة في منتصف الثلاثينيات، لم يمضِ على زواجها أكثر من عام، كانت حياتها تسير بهدوء إلى أن قلبت الفحوصات الطبية الروتينية كل شيء رأسًا على عقب.
تشخيص مفاجئ بالإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، الصدمة لم تتوقف عند هذا الحد، الصدمة الأكبر جاءت حين أخبرها زوجها أنه كان يعلم بإصابته بالفيروس، وأن فحوصات الزواج التي قدمها كانت مزورة وفي التوقيت ذاته اكتشفت مريم أنها حامل في شهرها الثاني.
مرت أسابيع ثقيلة اختلط فيها الغضب بالخوف، والحيرة بالشعور بالوحدة ورغم محاولات والدتها وأختها إقناعها بضرورة المتابعة الطبية رفضت مريم الذهاب إلى أي مركز صحي داخل مدينتها، ورفضت حتى الحديث مع طبيبة خاصة مع تدهور حالتها الصحية ودخولها في نوبات اكتئاب وعزلة لم يكن خوفها من المرض بل من الناس.
كانت مريم طالبة جامعية، لكنها توقفت عن دراستها، وقررت أن تنجب في الظل. سافرت من مدينتها في أقصى الجنوب إلى العاصمة، واتفقَت مع خالتها على كل التفاصيل: عيادة خاصة دون علم أحد، شقة للإقامة بعد الولادة، وخادمة تساعدها في الأيام الأولى.
خططت لكل شيء بدقة، إلا شيئًا واحدًا: شعورها العميق بالوحدة. أكملت ما تبقى من حملها في صمت، وضعت طفلتها بعيدًا عن أهلها، وبقيت أكثر من أربعة أشهر بعد الولادة حتى استعادت بعضًا من صحتها وقدرتها على الوقوف من جديد.
وحين كان أحدهم يسأل عنها، كانت الإجابة الجاهزة: مريم مسافرة برّة البلاد مع خالتها. لم تكن تبحث عن رفاهية، بل عن ولادة آمنة، وعن حياة هادئة لطفلتها، بلا وصم، بلا فضول، بلا أحكام.
ولادة منزلية اختيارية
في غرفة أخرى، وعلى بُعد قصة جديدة من أقصى مدن الجنوب، بصوت يجمع بين الارتباك والخوف وجبين يتصبب عرقًا نظرت حليمة إلى أختها سالمة وهي تلهث من الألم وقالت: تحملي لم يبق الكثير.
لم تكن الغرفة مهيأة للولادة، ولا حليمة تعرف عنها شيئًا، صمت ثقيل كان يحيط بالمشهد، يتقطعه أنين سالمة وقلق أم تقف على عتبة لحظة لا تحتمل الخطأ.
وحين دوّى صراخ الطفل تلقّت حليمة المولود بيدين مرتعشتين، تحاول أن تتبع تعليمات أختها الكبرى. قالت سالمة ، البالغة من العمر 41 عامًا وأم لخمسة أبناء: اربطي الحبل السري، اقطعيه هكي. انتهى كل شيء بسلام أو هكذا ظنّتا.
لم تكن هذه ولادة منزلية اختيارية، بل قرارًا فُرض على سالمة تحت وطأة الخوف. سالمة مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، انتقل إليها من زوجها، لكنها لم ترغب في المتابعة الطبية، ولم تراجع أي طبيب حتى بعد تأكدها من حملها لم يكن إنكارًا للمرض، بل خوفًا من انكشافه.
كانت تعتقد أن معرفة الناس بإصابتها ستجعلهم يقاطعونها، يشيرون إليها بأصابع الاتهام، وربما يعاقبون أبناءها بنظراتهم قبل كلماتهم.
تؤكد الدكتورة سهام محمد اليونسي، رئيس قسم التوعية والمشورة بإدارة الإيدز والأمراض المنقولة جنسيًا بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض، أن للوصم الاجتماعي أثرًا بالغًا على قرارات النساء الصحية.
وتقول: “عادة لا تتخذ المرأة المصابة قرار الحمل والولادة بسهولة، بل تتساءل عن حقها في العلاج، وحقها في الإنجاب، وأساسًا عن حقها في الزواج”.
وأضافت: أنه منذ عام 2010 تم إطلاق برنامج مكاتب المشورة في جميع فروع المركز الوطني، لمساعدة المتعايشين والمتعايشات، عبر تقديم الدعم النفسي، والتوعية بمخاطر انتقال العدوى للطفل، وضمان المتابعة الطبية خلال الحمل، وبعد الولادة.
تشير الدكتورة سهام إلى أن الوصم لا يقتصر على المجتمع فقط، بل يمتد أحيانًا إلى بعض المرافق الصحية، حيث يتم استغلال الحالات المصابة بفرض مبالغ مالية مضاعفة في العيادات الخاصة، رغم أن إجراءات التعقيم تُتخذ في جميع الحالات.
كما أكدت ” أن الولادة خارج المؤسسات الصحية تحمل مخاطر جسيمة، منها انتقال العدوى، أو تعرض الأم لمضاعفات كالنزيف.
توضح الدكتورة سهام” أن بعض الممارسات داخل المستشفيات، مثل كتابة معلومات حساسة على أبواب الغرف أو ملفات المرضى متعلق بإصابتهم بمرض (HIV) تخلق خوفًا يدفع النساء للهروب من الرعاية الصحية.وتضيف بأسف «المشكلة الأكبر أن من يمارس الوصم أحيانًا هم الفئة الأكثر وعيًا، من أطباء وممرضين، رغم معرفتهم بطرق الانتقال والوقاية» في حين يجب عليهم هم أن يكونوا من يساهم في تخفيفيه لا سببا له.
أين يقف القانون؟
يقول الخبير القانوني أحمد خميس إن القانون الليبي يضمن السرية الطبية وعدم كشف الحالة الصحية وفق القانون الصحي رقم (106) لسنة 1973، إضافة إلى الآليات الدولية والبرتوكولات الخاصة بالحقوق الصحية.
لكنه أشار إلى أن القانون يجيز تصنيف بعض الأمراض الوبائية لأغراض الوقاية، وهو ما يراه البعض انتهاكًا للخصوصية، بينما هو إجراء لحماية المجتمع. كما أكد أن المسؤولية القانونية في حال اختيار امرأة الولادة خارج المستشفى خوفًا من الوصم تقع – وفق القانون – على المرأة نفسها، استنادًا إلى مبدأ «الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية».
من جهتها، تؤكد الخبيرة القانونية خديجة أحمد أن القانون الليبي يدعم المساواة بين المرضى، ويحظر إفشاء أسرارهم وفق القانون رقم (17) لسنة 1986، وهو ما يلزم الجهات الصحية بضمان وصول المرضى للعلاج دون تمييز أو وصم.
ويؤكد عبد الله عثمان رضا، من المركز الوطني لمكافحة الأمراض – فرع سبها، أن المركز يقدم خدمات روتينية أسبوعية للنساء المتعايشات، تشمل الكشف والتحاليل والعلاج، إضافة إلى برنامج خاص للحمل الآمن بالتعاون مع أطباء نساء وولادة. كما شدد على أن السرية الطبية «حبل الثقة» بين المركز والمريض، ولا يمكن تجاوزها تحت أي ظرف.
وأشار إلى وجود عزوف لدى بعض الحالات بسبب عدم تقبل الإصابة والخوف من الوصم، إضافة إلى تحديات تتعلق بقلة الإمكانيات والكوادر.
توضح القابلة زينب محمد (اسم مستعار)أن التعامل مع النساء المصابات بالأمراض المعدية داخل غرف الولادة يتم وفق إجراءات احترازية ، مشيرة إلى أن الولادة تُجرى داخل غرف مخصصة، مع الالتزام الكامل بإجراءات التعقيم والوقاية، حفاظًا على سلامة الأم والطاقم الطبي.
وعن الحالة النفسية للنساء أثناء الولادة، تقول: “الخوف يكون واضحًا وطبيعيًا، خاصة لدى الأمهات البكريات، فالولادة تجربة مؤلمة وغير سهلة، وقد تكون بعض النساء لديهن رهبة مسبقة من المستشفيات، وهو ما يزيد من توترهن إضافة إلى خوفهن من إصابة أطفالهن بذات المرض”.
وتضيف أن بعض النساء يرفضن الولادة داخل المرافق الصحية، مؤكدة أن “قرار الولادة خارج المستشفى تتحمل مسؤوليته الأم وحدها، لما قد يترتب عليه من مخاطر صحية”.
وتؤكد القابلة على أهمية الخصوصية أثناء الولادة، موضحة أن “الولادة تتم داخل أماكن مغلقة ومحترمة، واحترام خصوصية المريضة جزء أساسي من واجبنا المهني كقابلات”. وتختم حديثها بالتأكيد على أن «التعامل مع المرأة أثناء الولادة يجب أن يكون باعتبارها إنسانة واعية، لا مجرد جسد، فحتى في ظل ضعف الإمكانيات، فإن نبرة الصوت، وطريقة اللمس، واحترام الصمت، والاستئذان، كلها عوامل قادرة على تحويل تجربة الولادة من صدمة إلى ذكرى قوة».
هذه القصص ليست حالات فردية بل نماذج لنساء كثيرات يخترن الولادة في الظل، لا لأنهن يجهلن الخطر، بل لأن المجتمع بالنسبة لهن أكثر قسوة من المرض نفسه الوصم لا يقتل بالفيروس، لكنه يدفع النساء إلى خيارات قد تهدد حياتهن وحياة أطفالهن بصمت.
إعداد : زهره موسى
أُنتجت هذه المادة بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR)“


