عقود غائبة وأجور هزيلة: كيف تُنتهك حقوق العاملات الليبيات بالمخالفة للقوانين؟
ليبيات يعملن بدون عقود عمل

بينما تضجّ المدن بحركة الأسواق وتوسّع الاستثمارات الخاصة، تنمو خلف الأبواب المغلقة في القطاع الخاص قصص لنساء وجدن أنفسهن أمام خيارين أحلاهما مرّ: القبول بشروط عمل تقترب من السخرة، أو مواجهة شبح البطالة في ظل انسداد أفق التوظيف الحكومي.
لا تتوقف هذه القصص عند فجوة في الأجور أو طول ساعات العمل، بل تكشف واقعًا أعمق من غياب الضمانات القانونية، وانعدام الأمان الوظيفي، والخوف الدائم من الفصل.
في قصتنا هذه تروي ثلاث نساء تجاربهن داخل مؤسسات القطاع الخاص، حيث تحوّل العمل من حق يفترض أن تكفله القوانين إلى مساحة هشّة تُدار خارج منطق العدالة. من ممرات المستشفيات، إلى المكاتب الإدارية، وصولاً إلى المختبرات، تتقاطع الشهادات عند سؤال واحد: من يحمي العاملات حين يصبح القانون حاضراً في النص وغائباً في التطبيق؟
18 عامًا من السخرة المقنّعة
في ممرات المستشفيات الخاصة، حيث تُقاس الحياة أحياناً بدقائق، أمضت نجمة شهاء 18 عامًا كممرضة دون أن تنال الحد الأدنى من الأمان الوظيفي. تقول نجمة لـ”مواطن” إن سنوات عملها الطويلة لم تُترجم يوماً إلى أجر عادل أو ضمانات قانونية، بل إلى ضغط متواصل وخوف دائم من فقدان العمل.
تستعيد بداياتها حين كانت تعمل ثماني ساعات يومياً مقابل 150 دينارًا فقط (نحو 21 دولارًا أمريكيًا)، قبل أن يرتفع راتبها لاحقًا إلى 300 ثم 350 دينارًا (نحو 42 دولارًا) عندما انتقلت للعمل في قسم الطوارئ. ورغم حساسية العمل وضغطه، لم يكن الأجر يعكس حجم المسؤولية، ولا المخاطر اليومية التي كانت تواجهها.
لم تتوقف المعاناة عند تدني الرواتب. ففي كثير من الأيام، كانت تُجبر على العمل لساعات إضافية تمتد من الثامنة صباحًا حتى الرابعة أو الخامسة مساءً، دون أي مقابل مالي. تتذكر نجمة تجربة واحدة فقط شعرت فيها بشيء من الإنصاف، عندما عملت في مصحّة كانت تحتسب الأجر الإضافي، لكنها تؤكد أن ذلك كان استثناءً نادرًا. طوال مسيرتها المهنية، لم يتجاوز أعلى راتب حصلت عليه 400 دينار (نحو 45 دولارًا)، رغم تنقّلها بين عدة أماكن وعملها في أقسام حساسة.
لم يكن اختيارها العمل في القطاع الخاص خيارًا، بل اضطرارًا ففرص التوظيف في القطاع العام، كما تقول، كانت مرتبطة بـ”الواسطة”، ما حرمها من الاستقرار الوظيفي. حصلت على أول وظيفة اعتمادًا على خبرتها وكفاءتها بعد فترة خدمة في عيادة خاصة، بينما جاءت بقية الوظائف عبر التزكية، دون عقود مكتوبة أو شروط واضحة، وهو واقع شائع في أغلب مؤسسات القطاع الخاص.
توضح نجمة أن ساعات العمل الإضافية لم تكن تُحسب، وفي بعض الفترات لم يتجاوز التعويض اليومي خمسة دنانير، وهو مبلغ لا يتناسب مع حجم المسؤولية. تؤكد أن راتبها لم يكن يومًا منصفًا، لا جسديًا ولا نفسيًا. أما الحقوق الأساسية، فكانت شبه غائبة؛ إجازات قصيرة في حالات طارئة فقط، دون تأمين صحي أو ضمانات حقيقية.
ينص القانون الليبي بوضوح على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في التوظيف والأجر وساعات العمل والترقية، ويحرّم أي شكل من أشكال التمييز أو الاستغلال أو الظلم داخل بيئة العمل، سواء كان ذلك بسبب الجنس أو الوضع الاجتماعي أو الحاجة الاقتصادية
تعترف نجمة بأنها تعرضت للتهديد بالفصل والخصم عند مطالبتها بحقوقها، وأن الخوف من البطالة كان يدفعها، مثل كثير من الموظفات، إلى القبول بظروف لا ترضاها. كما تشير إلى تعرضها لضغوط وابتزاز داخل بيئة العمل، بلغ أحدها حدّ إجبارها على تقديم الخدمة لشخص اعتدى عليها بالقوة. وعندما رفضت، هددها مديرها بالطرد. هذه المرة لم تصمت، لكنها اختارت الاستقالة بدل الاستمرار في بيئة تنتهك كرامتها.
ورغم كل ذلك، تصف نجمة علاقتها بعملها بأنها علاقة متناقضة. فالضغط والتوتر يرافقانها أحيانًا حتى خارج ساعات الدوام، لكنها تشعر في أحيان أخرى بالسلام الداخلي، خصوصًا عندما تخدم مرضى كبار السن الذين يقدّرون جهدها ويمنحونها كلمات امتنان تخفف قسوة الواقع. وترى أن صمت كثير من الموظفات سببه الخوف من الفصل والحاجة الملحّة للعمل، مؤكدة أنها لم تلجأ إلى أي جهة رسمية أو قانونية لغياب الثقة بجدوى ذلك.
وتختم نجمة رسالتها بكلمات مباشرة لأصحاب العمل والجهات المسؤولة: “الموظفة التي تعمل تحت إدارتكم ليست عبدة، بل موظفة. أعطوا الناس أجورهم بإنصاف”.
من وظيفة إلى أخرى.. بلا عقد ولا استقرار
لم تبدأ تجربة زهور أبو بكر في القطاع الخاص من باب الاختيار، بل من بوابة الانتظار الطويل لوظيفة لم تأتِ. بعد فشلها في الحصول على فرصة في القطاع العام، وجدت نفسها تبحث عن عمل عبر الإنترنت، وتُخبر معارفها بحاجتها إلى وظيفة، إلى أن حصلت على أعمال متفرقة فرضتها الحاجة أكثر مما فرضها الطموح.
عملت زهور في البداية كفنية مختبر، ثم انتقلت لاحقًا إلى وظيفة إدارية في أحد مراكز التدريب. تقول إن الرواتب اختلفت من مكان إلى آخر؛ ففي بعض الوظائف كانت مقبولة نسبيًا، بينما كانت في وظائف أخرى لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول. غالبًا ما تراوحت ساعات عملها اليومية بين ست وسبع ساعات، ونادرًا ما وصلت إلى ثماني ساعات، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على الأجر أو الاستقرار.
تؤكد زهور لـ”مواطن” أن غياب عقود العمل كان السمة المشتركة في جميع تجاربها، ما جعل حقوقها وحقوق غيرها من الموظفات غير مضمونة منذ البداية. وتشير إلى أن ساعات العمل الإضافية لم تكن تُحتسب في أغلب الحالات، باستثناء تجربة واحدة فقط شعرت فيها بأن الراتب يتناسب مع حجم العمل، فيما بقيت بقية التجارب دون إنصاف.
في ما يتعلق بالإجازات، تقول زهور إنها كانت تحصل أحيانًا على إجازة دون مرتب عند حدوث ظروف طارئة، وكان الأمر يخضع لتقدير الإدارة في بعض الأماكن. لكنها تستعيد تجربة مؤلمة حين اضطرت لأخذ إجازة لظرف شخصي تمت الموافقة عليه، لتتفاجأ عند عودتها بتوظيف شخص آخر بدلًا منها، ما أنهى عملها دون أي حماية أو ضمان.
توضح زهور أنها لم تكن تخشى المطالبة بحقوقها أو التحدث بوضوح، ولم تتعرض لتهديد مباشر بالفصل أو الخصم، لكنها في المقابل اختارت أكثر من مرة ترك العمل بإرادتها حين شعرت بأن جهدها لا يُقابل بحقوق عادلة. وتشير إلى تجربة عمل شكّلت عبئًا نفسيًا كبيرًا عليها، بسبب المراقبة المستمرة بالكاميرات والتدقيق في أدق التفاصيل، ما خلق لديها إحساسًا دائمًا بأنها تحت رقابة لا تنتهي.
تقول زهور إن بعض بيئات العمل كانت مرهقة نفسيًا، إما بسبب ضغط العمل أو الأجواء السلبية، لكنها لم تلجأ إلى أي جهة رسمية أو قانونية، لاعتقادها بعدم وجود جهة حقيقية تستمع إلى شكاوى الموظفين. وترى أن كثيرًا من النساء يقبلن بظروف عمل مجحفة خوفًا من البطالة وغياب البدائل.
وتختم زهور رسالتها بالتأكيد على أن الحل يبدأ من الأساس: “بيئة العمل الجيدة ليست رفاهية، بل شرط أساسي للإنتاجية. على أصحاب العمل إعادة النظر في رواتب العاملين في القطاع الخاص، وتوفير حوافز ومميزات تحترم جهد الموظفين”.
طبيبة في مختبر الخوف والوعود المؤجَّلة
بعد تخرجها، لم تجد فاطمة أبو علي، طبيبة المختبر والصيدلة، في القطاع العام المساحة التي تستوعب تخصصها أو تكافئ سنوات دراستها. ضعف الراتب وعدم تعديل درجتها الوظيفية أو إجراء التسويات اللازمة دفعها إلى العمل في القطاع الخاص، بحثًا عن أي مصدر دخل، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار والعدالة.
حصلت فاطمة على أغلب وظائفها عبر إعلانات عامة، وعملت كطبيبة مختبر وموظفة صيدلة في أماكن مختلفة، دون توقيع أي عقود مكتوبة تضمن حقوقها. تقول إن رواتبها تراوحت بين 300 و500 دينار (ما بين 42 و71 دولارًا) مقابل ثماني ساعات عمل يوميًا أو أكثر أحيانًا، لكنها تؤكد أن هذا الأجر لا يتناسب مع حجم الجهد والمسؤولية، خاصة مع العمل في فترتين وضغط العمل المستمر.
تضيف فاطمة لـ”مواطن” أن حقوق الموظفين كانت شبه معدومة: لا إجازات، ولا تأمين صحي، ولا حماية من المخاطر المهنية. ففي عملها الأول كطبيبة مختبر، كانت تتعرض لمخاطر متعددة دون أي تعويض أو ضمان. وتوضح أن التهديد بالفصل أو الخصم كان حاضرًا منذ البداية، إذ كان الاتفاق الضمني واضحًا: من يقبل بالعمل يلتزم، ومن لا يقبل فالباب مفتوح، دون أي مساحة للمطالبة بحقوق عادلة.
تشير فاطمة إلى أن الخوف من البطالة دفعها للقبول بوظائف شاقة وغير مرتبطة بتخصصها، مثل العمل في مجال التعليم، في ظل واقع صحي لا يوفر عقودًا ولا مكافآت، حيث كان العمل في بعض الأحيان أقرب إلى التطوع، مع وعود مؤجلة بعقود قد لا تُنفذ أبدًا.
وتروي تعرضها لضغوط مستمرة داخل العمل، من بينها الالتزام الصارم بالحضور والتهديد الشفوي عند الغياب، رغم غياب أي عقد أو أجر واضح. تؤكد أن هذه الظروف تركت أثرًا نفسيًا وجسديًا كبيرًا عليها، إذ أصبح معظم يومها مكرسًا للعمل فقط، دون أي مساحة للراحة أو الحياة الشخصية.
وترى فاطمة أن صمت كثير من الموظفات سببه الخوف من الفصل أو فقدان فرصة الحصول على عقود مستقبلية، حيث يلتزم المتطوعون بالعمل لساعات طويلة مقابل وعود قد لا تتحقق. وعن محاولات اللجوء إلى الجهات الرسمية، تقول إن التجارب غالبًا ما تفشل بسبب غياب العقود، وكأن الرسالة غير المعلنة للخريجين هي: “اختر تخصصك حسب فرص العمل، لا حسب رغبتك”.
وتختم فاطمة حديثها برسالة قصيرة ومباشرة لأصحاب العمل والجهات المسؤولة: “اتقوا الله في أنفسكم”.
حين يفشل القانون في حماية العاملات
تكشف قصص نجمة وزهور وفاطمة، رغم اختلاف تفاصيلها، عن خيط مشترك واحد: العمل في القطاع الخاص بوصفه مساحة هشّة، تُدار في كثير من الأحيان خارج منطق القانون، وتُحمَّل فيها النساء كلفة غياب الرقابة وضعف البدائل الاقتصادية. فهنا لا يقتصر الاستغلال على تدني الأجور أو طول ساعات العمل، بل يمتد إلى غياب العقود، وانعدام الضمانات، والخوف الدائم من الفصل، ما يحوّل العمل من حق إلى مخاطرة يومية.
لكن هذه الشهادات، على قسوتها، تطرح سؤالًا أبعد من التجربة الفردية: إذا كان القانون الليبي ينص على المساواة ويحظر الاستغلال، فلماذا تستمر هذه الانتهاكات داخل مؤسسات يُفترض أنها خاضعة للرقابة؟
ترى المدربة القانونية مودة أحمد أن الاستغلال الوظيفي للنساء في القطاع الخاص يُعد أحد أكثر أشكال إساءة استخدام السلطة انتشارًا، ويحدث عندما تستغل جهات العمل حاجة النساء إلى الوظيفة وغياب البدائل الاقتصادية لفرض شروط عمل مجحفة، مثل العمل دون عقود مكتوبة، أو بأجور متدنية لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول، أو بحرمانهن من الإجازات والضمانات الأساسية، مقابل التهديد الضمني أو الصريح بالفصل.
وتوضح أن قانون علاقات العمل الليبي رقم (12) لسنة 2010 ينص بوضوح على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في التوظيف والأجر وساعات العمل والترقية، ويحرّم أي شكل من أشكال التمييز أو الاستغلال أو الظلم داخل بيئة العمل، سواء كان ذلك بسبب الجنس أو الوضع الاجتماعي أو الحاجة الاقتصادية. إلا أن الإشكالية، بحسبها، لا تكمن في النصوص القانونية، بل في ضعف تطبيقها على أرض الواقع، خاصة داخل القطاع الخاص.
وتشير إلى أن غياب العقود المكتوبة يضع العاملات في وضع قانوني هش، ويجعلهن أكثر عرضة للابتزاز الوظيفي والضغط النفسي، ويحرمن من القدرة على المطالبة بحقوقهن أو اللجوء للقضاء، إذ يصبح إثبات العلاقة الوظيفية شبه مستحيل في حال النزاع. كما يفتح هذا الواقع الباب أمام ممارسات تعسفية، مثل الفصل دون مبرر، أو فرض ساعات عمل إضافية دون مقابل، أو تحميل النساء أعباءً لا تتناسب مع طبيعة العمل أو معايير السلامة المهنية.
ينطلق أصحاب الإعمال من تصور مفاده أن المرأة لا تستحق أجرًا مساويًا للرجل، بحجة أن الرجل هو المعيل ولديه التزامات أسرية، معتبرين أن دخل المرأة “ثانوي” أو غير أساسي
وترى مودة أحمد أن استمرار هذا النوع من الاستغلال يرتبط أيضاً بعوامل اجتماعية وثقافية، أبرزها ضعف الوعي القانوني لدى العاملات، والخوف من البطالة، وضغط العادات التي تشجّع النساء على الصمت وتُقلّل من حقهن في المطالبة بظروف عمل عادلة. وتؤكد أن كثيراً من النساء يقبلن بهذه الانتهاكات على أمل الحصول على عقد مستقبلي أو تثبيت وظيفي قد لا يأتي أبداً.
وتختم بالقول إن مواجهة الاستغلال الوظيفي للنساء في القطاع الخاص تتطلب تفعيل دور أجهزة التفتيش العمالي، وإلزام المؤسسات بعقود مكتوبة واضحة، وتعزيز الوعي القانوني لدى العاملات بحقوقهن وواجباتهن، إلى جانب مساءلة الجهات التي تتغاضى عن هذه الانتهاكات، معتبرة أن كرامة المرأة في العمل ليست امتيازاً، بل حقاً قانونياً لا يجوز التنازل عنه تحت أي ظرف.
من داخل القطاع الخاص: رواية أصحاب العمل
في مقابل الشهادات التي تكشف عن تجارب قاسية لنساء يعملن في القطاع الخاص، يبرز رأي بعض أصحاب ومديري المؤسسات الذين يرفضون تعميم اتهامات الاستغلال، ويؤكدون التزامهم بأطر تنظيمية واضحة تحكم علاقات العمل داخل مؤسساتهم.
في هذا السياق، قدّم المدير العام لإحدى الشركات الخاصة، الذي فضّل الاكتفاء بالحروف الأولى من اسمه (ب.ح)، رؤيته حول تنظيم عقود العمل وحدود المسؤولية القانونية والأخلاقية لأرباب العمل في ظل الواقع الاقتصادي القائم.
وأوضح (ب.ح) لـ”مواطن” أن جميع الموظفات في مؤسسته يعملن وفق نظام يبدأ بفترة تجربة، يعقبها توقيع عقد عمل مكتوب يحدد بوضوح الحقوق والواجبات، والأجر، وساعات الدوام، بما يتماشى مع القوانين المعمول بها في ليبيا. وأشار إلى أن تحديد الأجور وساعات العمل يتم وفق معايير مهنية تشمل المؤهل العلمي، والخبرة، وطبيعة الوظيفة، ومستوى الأداء.
وأكد أن أي ساعات عمل إضافية خارج الدوام الرسمي تُحتسب وفق النظام الداخلي، سواء بالتعويض المالي أو التعويضي، حسب الحالة. وفي ما يتعلق بالحقوق الأساسية، قال إن الإجازات السنوية والطارئة مضمونة ومحددة داخل عقود العمل، لكنه أقرّ بأن غياب التأمين الصحي يعكس واقعًا عامًا في معظم مؤسسات القطاع الخاص، خاصة في الجنوب الليبي، مشيرًا إلى أن الشركة تحاول التعامل مع الحالات الصحية الطارئة بمرونة تراعي أوضاع الموظفات.
وبخصوص شكاوى العاملات المتعلقة بضغط العمل أو سوء المعاملة، شدّد (ب.ح) على اعتماد سياسة «الباب المفتوح»، وتشجيع الموظفات على تقديم أي شكوى، موضحًا أن الإدارة تتولى معالجتها إداريًا بما يضمن الاحترام والمحاسبة المهنية، ويهدف إلى خلق بيئة عمل آمنة.
ورفض (ب.ح) ما وصفه بـ”التعميم الجائر” الذي يتهم القطاع الخاص باستغلال النساء، مؤكدًا أن أي شكل من أشكال الاستغلال أو التمييز مرفوض، وأن احترام الكرامة الإنسانية شرط أساسي لاستمرارية أي مؤسسة. كما أشار إلى وجود نظام إداري داخلي يمنع الفصل التعسفي أو الابتزاز الوظيفي، يقوم على التدرج في المحاسبة، ولا يسمح بإنهاء أي عقد إلا بعد مراجعة المخالفات وفق إجراءات واضحة.
وختم حديثه بالتأكيد على أن تحقيق الربح لا يجب أن يكون على حساب كرامة الموظفات وحقوقهن، معتبرًا أن الاستقرار الوظيفي والرضا المهني عنصران أساسيان لنجاح أي مؤسسة واستدامتها.
حين تُقاس الأجور بالنوع لا بالكفاءة
من زاوية مختلفة، تنظر ناشطات نسويات وحقوقيات إلى الاستغلال الوظيفي للنساء بوصفه ظاهرة بنيوية مرتبطة بالتمييز القائم على النوع الاجتماعي، لا مجرد ممارسات فردية معزولة. وفي هذا السياق، تضع الناشطة النسوية والحقوقية دليلة الزغيبي قضية عمل النساء في القطاع الخاص ضمن إطار أوسع من التمييز الاجتماعي والقانوني.
تقول الزغيبي لـ”مواطن” إن النساء في سوق العمل يتعرضن لاستغلال مضاعف، إذ يُدفعن في كثير من الأحيان إلى قبول وظائف يرفضها الرجال، اضطرارًا لسدّ الحاجة، وبسبب محدودية الخيارات المتاحة أمامهن. وتوضح أن هناك وظائف عديدة يُعرض فيها أجر مختلف للمرأة مقارنة بالرجل، رغم تطابق المهام الوظيفية والكفاءة.
وتضيف أن بعض أصحاب العمل ينطلقون من تصور مفاده أن المرأة لا تستحق أجرًا مساويًا للرجل، بحجة أن الرجل هو المعيل ولديه التزامات أسرية، معتبرين أن دخل المرأة “ثانوي” أو غير أساسي، وهو منطق تؤكد الزغيبي أنه ينافي الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
وتشير إلى أن التمييز لا يتوقف عند حدود الأجر، بل يمتد إلى نظرة المجتمع نفسه، الذي يتدخل في تقييم حاجة المرأة للعمل، وفي كيفية إنفاقها لمرتبها. فغالبًا ما يُفترض أن يكون هناك “عذر قاهر” يبرر خروج المرأة إلى سوق العمل، وإلا عُدّ عملها رفاهية أو خيارًا غير ضروري.
وتبيّن الزغيبي أن قانون علاقات العمل يمنح المرأة العاملة عددًا من الحقوق، لكنه يخلو من مادة صريحة تُجرّم التمييز على أساس الجنس، ما يحدّ من قدرة النساء على مقاضاة أرباب العمل في حال تدني الأجر مقارنة بزملاء يتمتعون بالكفاءة والأقدمية نفسيهما.
وتؤكد أن دور المنظمات الحقوقية يتمثل في التوعية القانونية عبر ورش العمل، إلى جانب تقديم مقترحات وتشريعات إلى مجلس النواب لتعديل المواد التي لم تعد تواكب تطورات سوق العمل، وحماية النساء من الجور الوظيفي. كما تلفت إلى أن حتى النصوص القانونية القائمة، مثل إلزام المؤسسات بتوفير حضانة في مقر العمل، لا يتم الالتزام بها في الواقع.
وتشدد الزغيبي على أهمية المطالبة النسوية والضغط المستمر على الشركات والمؤسسات العامة والخاصة لتنفيذ القوانين القائمة، معتبرة أن احترام حقوق المرأة في العمل ليس منحة، بل التزام قانوني.
وتختم بالقول إن المرأة فاعل حقيقي في سوق العمل الليبي، ويجب ضمان حقها في راتب يكفل لها معيشة كريمة، وحقها في تقاضي هذا الراتب شهريًا دون إطالة أو تسويف، إلى جانب حقها في قانون عادل وآليات تنفيذ فعّالة تحميها من التمييز والاستغلال.
إعداد : منى توكا
أُنتجت هذه المادة بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR)“



