ثقافهمقالات

البلغة في التراث الليبي.. ليست مجرد حذاء، بل حكاية تمشي على الأرض

البلغة ...رمز للهوية في الذاكرة الليبية

 

من اللباس التقليدي إلى الأمثال الشعبية وطقوس الزواج.. كيف تحولت البلغة إلى رمز للوقار والرجولة والهوية في الذاكرة الليبية؟

ليست البلغة في التراث الليبي مجرد قطعة تُرتدى في القدم، بل تحمل حضورًا يتجاوز وظيفتها اليومية لتصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية والهوية الثقافية. فقد ارتبطت البلغة باللباس التقليدي، وظهرت في الأمثال والحكايات الشعبية، كما حضرت في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات، وأصبحت في بعض المناطق رمزًا للوقار والرجولة والاستعداد لتحمل المسؤولية.

البلغة.. جزء من الزي التقليدي

كانت البلغة قطعة أساسية من لباس الرجل الليبي التقليدي، إلى جانب الجرد والسروال العربي. وكانت تُصنع غالبًا من الجلد الطبيعي، مثل جلد الغنم أو البقر، فيما ظهرت في بعض المناطق بألوان مختلفة، من بينها الأصفر والبني المحروق.

ولم تكن البلغة مجرد عنصر من عناصر المظهر، بل ارتبط ارتداؤها بصورة الرجل المرتب والوقور، وأصبحت جزءًا من الهيئة التي تعكس الانتماء إلى الموروث والبيئة الاجتماعية.

ولم يقتصر حضورها على الرجال؛ ففي بعض المناطق الليبية عُرفت البلغة النسائية، التي كانت أكثر نعومة وزخرفة، وترتديها النساء داخل البيت أو مع الأزياء التقليدية خلال المناسبات.

حين تتحول البلغة إلى مثل شعبي

دخلت البلغة أيضًا إلى التعبيرات والأمثال الشعبية الليبية، لتصبح وسيلة للتعبير عن الشخصية والقيمة والسلوك. ومن بين التعبيرات المتداولة:

«فلان بلغته واقفة»، في إشارة إلى الرجل المحترم الذي لا يتنازل عن كلمته.

كما يرد تعبير «بلغة من غير نعل ما تمشيش بعيد»، للدلالة على أن الإنسان يحتاج إلى الأساسيات قبل أن يطمح إلى ما هو أكبر.

أما عبارة «بلغة العيد جديدة، يا رجل جديد»، فتعبّر عن الانطباع الذي تمنحه الملابس الجديدة لصاحبها، وما يمكن أن تحدثه من تغيير في مظهره وهيئته.

البلغة في العادات والاحتفالات

كان للبلغة حضور في بعض العادات الاجتماعية، إذ كانت تُهدى للعريس ضمن جهازه، بينما تحظى في جنوب ليبيا بدلالة خاصة؛ فبلغة الرجل ارتبطت، وفق الموروث الشعبي، بالجاهزية وتحمل المسؤولية.

وفي بعض العادات، كان الأب يقدم البلغة لابنه عند بلوغه، باعتبارها علامة على الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمر ورمزًا للرجولة.

كما ارتبطت جودة البلغة بمظهر صاحبها؛ فالرجل الذي يرتدي بلغة مصنوعة بإتقان ومقاس مناسب كان يُنظر إليه باعتباره مرتبًا وأصيلًا ومن أهل الوقار.  

من الواقع إلى الحكاية الشعبية

لم تغب البلغة عن القصص والحكايات الشعبية، حيث تظهر أحيانًا في صورة البطل الذي يرتدي البلغة الصفراء، التي ارتبطت في بعض الروايات الشعبية بمعاني الشجاعة والستر.

كما وجدت البلغة طريقها إلى الشعر الملحون والأغاني القديمة، خصوصًا في وصف العريس والرجل الوقور، وفي الحديث عن زينة العريس وهيئته.

البلغة.. ذاكرة تمشي على الأرض

وبين الجلد واللون والتطريز، وبين المثل الشعبي والحكاية والأغنية، تبدو البلغة أكثر من مجرد نعل تقليدي. إنها قطعة صغيرة تحمل في تفاصيلها جانبًا من الذاكرة الاجتماعية الليبية، وتكشف كيف يمكن لقطعة من اللباس أن تتحول مع الزمن إلى رمز للهوية والوقار والرجولة والانتماء إلى الموروث الشعبي.

وربما لهذا تبدو البلغة، في الذاكرة الليبية، كما لو أنها «أسطورة جلدية تمشي على الأرض»؛ تحمل معها حكايات الرجال والنساء، والأعراس والمناسبات، والأمثال التي تناقلتها الأجيال

إعداد : هناء السني

أنجزت المادة كمخرجات لبرنامج تدريبي ممول من UNDP استهدف موظفو المركز الوطني للمأثورات الشعبيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى