Uncategorized

خلف الجدران المغلقة.. كيف يقتل العنف الأسري نساء ليبيا؟

خلف الجدران المغلقة.. كيف يقتل العنف الأسري نساء ليبيا؟

في بيوت صُممت لتكون مساحة للأمان، تكشف الوقائع عن قصص نساء واجهن القتل أو الاحتجاز أو التعذيب داخل نطاق الأسرة، بعيدًا عن أي ساحات صراع. وخلال الفترة الأخيرة، وبفعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، برزت في ليبيا قضايا عنف أسري تجاوزت إطار الخلافات العائلية لتصل إلى جرائم مكتملة الأركان. من طبيبة قُتلت وأُخفيت جثتها داخل بئر، إلى فتاة حُرمت من العالم لثلاثة عشر عامًا داخل غرفة مغلقة، تعيد هذه القضايا طرح سؤال مركزي: كيف تحولت الأسرة لدى بعض الحالات من إطار حماية إلى بيئة تُمارس فيها أشكال متعددة من العنف الخفي؟

من القتل إلى الإخفاء

لم تعد قضايا العنف الأسري في ليبيا حكايات تُتداول في نطاق ضيق، بل تحولت إلى وقائع تتعامل معها الأجهزة الأمنية ويصطدم بها الرأي العام. وتُعد قضية الدكتورة أماني جحا، طبيبة النساء والولادة، واحدة من أكثر هذه القضايا صدمة، بعدما كشفت عن جريمة قتل حاول الجناة طمس معالمها عبر روايات متضاربة، من الادعاء بوجود “سحر” إلى الترويج لانتحارها غرقًا.

غير أن التحقيقات كشفت لاحقًا حقيقة أكثر قسوة، حيث عُثر على جثتها داخل بئر للصرف الصحي في منزل أسرتها، لتنكشف خيوط جريمة تورط فيها أشخاص من الدائرة الأسرية نفسها. ولم تكن قضية أماني حالة معزولة، إذ سرعان ما استيقظ الشارع الليبي على قضية احتجاز فتاة من مواليد 1978 بمدينة أجدابيا، ظلت محتجزة داخل منزل أسرتها لمدة 13 عامًا.

وتؤكد مصادر أمنية بمديرية أمن أجدابيا أن الفتاة عُثر عليها في وضع صحي ونفسي بالغ السوء داخل غرفة مغلقة لا تتوفر فيها أدنى شروط الحياة، وكانت غير قادرة على التواصل الطبيعي، في واقعة عكست أحد أقسى أشكال العنف الأسري المتمثل في سلب الحرية وإهدار الكرامة تحت ذرائع اجتماعية مختلفة.

وفي السياق ذاته، أعادت قضية هبة البلالي الجدل حول العنف الأسري إلى الواجهة، بعد تداول مقطع فيديو تظهر فيه آثار تعذيب على وجهها، قبل أن يُثبت تقرير الطب الشرعي، عقب وفاتها، تعرضها لتعذيب أفضى إلى الموت. وتكشف هذه الوقائع، مجتمعة، أن العنف الأسري لم يعد استثناءً أو حالات فردية، بل ظاهرة تتطلب مراجعة جادة للخطاب الاجتماعي السائد حول السلطة داخل الأسرة وحدودها.

لماذا يستمر العنف؟ ولماذا تصمت الضحايا؟

لماذا يستمر العنف الأسري؟ ولماذا تصمت الضحايا؟ ترى الدكتورة ريمة الذواذي، الباحثة في الشأن الاجتماعي، أن تصاعد ظهور هذه القضايا خلال الفترة الأخيرة لا يعني بالضرورة أنها ظاهرة مستحدثة، بل يعكس ارتفاع مستوى الوعي وانتشار المنصات الرقمية التي كشفت ما كان يُدار في الخفاء. وتُرجع الذواذي أسباب العنف الأسري إلى تداخل عوامل عدة، من بينها الضغوط الاقتصادية، وتعاطي المخدرات، والنظرة التقليدية الدونية للمرأة داخل بعض البيئات الاجتماعية.

وتوضح لـ”مواطن” أن ما تصفه بـ”التربية الذكورية” يرسّخ لدى الرجل شعورًا بالسيادة المطلقة داخل الأسرة، ويمنحه مبررًا لاستخدام العنف بوصفه وسيلة “تأديب”، سواء تجاه الزوجة أو الأخت أو حتى الأم. هذا النمط من التفكير، بحسب الذواذي، لا يتعامل مع العنف كجريمة، بل كأداة لضبط السلوك الأسري، خاصة في ظل غياب ثقافة الحوار، وتحول الخلافات إلى صراع قوة، لا سيما عندما تسعى المرأة للاستقلال أو مواصلة تعليمها.

وتجسّد شهادة الطالبة الجامعية ليلى (اسم مستعار) هذه الديناميكيات؛ إذ تعيش، بحسب روايتها لـ”مواطن”، تحت تهديد دائم من شقيقها الذي يستخدم الضرب والسلاح لمنعها من إكمال دراستها. وتكمن المأساة، كما تصفها، في موقف الصمت الذي تتخذه بقية الأسرة، بين والد عاجز بسبب كبر سنه، وأشقاء يخشون مواجهة أخ مدمن ومسلح. تقول ليلى: “الكل يعيش حياته بشكل طبيعي، دون أن يعرف ما أتعرض له يوميًا”.

 

هذا الصمت، وفق مختصين، لا يعكس قبولًا بالعنف بقدر ما يعكس الخوف من الوصم الاجتماعي. وتوضح المستشارة القانونية خلود مادي أن المجتمع غالبًا ما يدفع الضحية إلى الصمت تحت شعار “ستر الفضيحة”، معتبرًا أن الشكوى تهديد لتماسك الأسرة. وتصف هذا السلوك بأنه “إعادة إنتاج للعنف”، إذ يُسكت الضحية قبل أن تصل إلى الجهات المختصة، ويحوّلها من مجني عليها إلى متهمة بإفشاء ما يُعد “شأنًا عائليًا”.

بين عجز القانون وحلم “محكمة الأسرة”

رغم أن التشريعات الليبية، بما فيها قانون العقوبات وقانون الأحوال الشخصية، تجرّم الضرب والاحتجاز والتهديد، إلا أن الفجوة بين النص والتطبيق ما تزال واسعة. وتوضح المستشارة القانونية خلود مادي في حديثها لـ”مواطن” أن “العدالة لا تُقاس بوجود القوانين، بل بقدرة النساء على الوصول إليها”، مشيرة إلى أن غياب مراكز الإيواء، وضعف تدريب عناصر الشرطة على التعامل مع قضايا العنف الأسري، وطول أمد التقاضي، عوامل تُفرغ النصوص القانونية من مضمونها وتحوّلها إلى إجراءات غير فعّالة.

وفي ظل هذا الواقع، تتزايد المطالب بإنشاء “محكمة الأسرة” كآلية متخصصة للتعامل مع النزاعات والعنف داخل النطاق الأسري. وتقود الأستاذة أجديدة الفرجاني، أستاذة الخدمة الاجتماعية بجامعة قاريونس، حراكًا أكاديميًا ومجتمعيًا للدفع نحو هذا التوجه، مؤكدة ضرورة إشراك الأخصائي الاجتماعي كعنصر إلزامي في مسار الفصل القضائي.

وتشير الفرجاني لـ”مواطن” إلى أن دور الأخصائي الاجتماعي لا يجب أن يكون شكليًا، بل أساسيًا لفهم الأبعاد النفسية والاجتماعية للحالات المعروضة، وهي أبعاد قد لا تكون ظاهرة في المسار القضائي التقليدي. وتوضح أن الهدف من محكمة الأسرة يتمثل في حماية خصوصية المرأة التي تخشى في الغالب التوجه إلى المحاكم العادية، إضافة إلى محاولة احتواء النزاعات ومنع تفاقم العنف عبر حلول مبكرة أو تدخلات استباقية.

وعلى المستوى الديني، يرفض الواعظ صلاح سالم أي تبرير شرعي للعنف الأسري، مؤكدًا أن الإسلام يجرّم هذه الممارسات بشكل قاطع. ويستشهد بقوله تعالى: “وعاشروهن بالمعروف”، وبوصية النبي محمد في خطبة الوداع: “استوصوا بالنساء خيرًا”، مشددًا على أن إهانة المرأة أو تعنيفها يتناقض مع جوهر التعاليم الإسلامية، التي كرّمت المرأة وجعلت من قصتها رمزًا للصبر والعطاء، لا للإقصاء أو الإيذاء

نحو عقد اجتماعي جديد

في ظل تصاعد قضايا العنف الأسري في ليبيا، يرى مختصون أن المعالجة لا ترتبط بسنّ تشريعات جديدة بقدر ما ترتبط بتفعيل القوانين القائمة، وتعزيز آليات الحماية، وتهيئة مسارات آمنة للتبليغ. ويؤكدون أن بناء دولة القانون يبدأ من داخل الأسرة، حين تشعر المرأة بأن كرامتها مصونة، وأن القانون والمجتمع يقفان إلى جانبها، بما يضمن حماية الضحايا ومحاسبة الجناة دون اعتبار للقرابة أو الضغوط الاجتماعية، في ظل تحدٍّ رئيسي يتمثل في ضعف التنفيذ وغياب الإرادة الرادعة.

إعداد : جميلة بن عيسى

أُنتجت هذه المادة بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR)“

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى