ربما كنت من القلة الذين خرجوا من مقابلة إبراهيم الكوني بانطباع مختلف. فمنذ انتهى اللقاء، امتلأت الصفحات بانتقاد طريقته في الحديث، وكيف أجاب، وكيف بدا متعاليًا، بل إن بعضهم رماه بالغرور، وذهب آخرون إلى اتهامه حتى بالتنكر لماضيه، لأنه لم يحتمل سؤالًا عن علاقته بالنظام السابق.
الجميع قال كلمته؛ المثقف، والقارئ المهتم، وحتى جيل الـ«سكرولينج».
ولعل هذا هو ما دفعني إلى تأجيل مشاهدة المقابلة. تركتها إلى الليل، إلى ساعة لا تزاحمها الآراء المسبقة. إنه الكوني… الكاتب الذي رافقني ليالي طويلة، في يقظتي كما في خيالي. صاحب النصوص التي لا تُنسى. كلما خرجت إلى الصحراء، رأيت كلماته أمامي، كأنها جبال تعلو الجبال.
وحين شاهدت المقابلة، وجدته كما تخيلته دائمًا.
رجل لا يبذل أي جهد لتلميع صورته، ولا يكلف نفسه عناء مراعاة خواطر السائلين. طوال اللقاء كان حالماً، جالسًا في برجه، يفرض علينا أن نلوي أعناقنا كي نراه. رؤيته لها ضريبة؛ شيء بين إجهاد العنق و إجهاد الفكر.
لكن… هل شعرت بما شعر به المنتقدون؟
الحقيقة: لا.
كنت أستمع إليه كما أقرأ نصوصه؛ لا أفهمها من أول مرة، ولا أنتظر أن أفهمها. أعود إليها، وأتوقف عندها، وأفتش عما تركه بين الكلمات لا عما قاله. هكذا يكتب، وهكذا يتحدث. غموضٌ يقودك إلى «واو»… ثم يتركك هناك وحيدًا.
يا إلهي… كم يحتاج من لم يعش الصحراء من جهد ليفهم الكوني. ونحن أبناءها نبذل الجهد نفسه. طبقات فوق طبقات، ورموز لا تنكشف إلا في النهاية، وهناك فقط، تأتي المكافأة . من يحتمل مشقة الطريق، يصل إلى متعة الفهم.
إنه أسلوب لم أجده عند غيره، ولا أظنني أملك الصبر على هذا القدر من الغموض لو كتبه كاتب آخر. مع أي كاتب آخر، كنت سأغلق الكتاب، وأتهمه بأنه يكتب لنفسه. أما مع الكوني، فأغلق الكتاب وأتهم نفسي بأنني لم أقرأ جيدًا.
ربما لهذا السبب، وربما لغيره، تغدو عيوبه -إن وجدت- هامشية في نظري. فعين المحب لا ترى إلا ما تحب، وأنا أحب نصوصه بقدر ما أحب مصدرها.
ولا يضيرني إن كان مغرورًا أو متعاليًا.
بل ربما كنت سأصاب بخيبة أمل لو وجدته غير ذلك.
كيف لمن كتب عن أمِّ الغرور والتعالي….. أن يكون شديد المجاملة؟ وكيف لمن تجري في عروقه دماء قوم لا يكشفون وجوههم للغرباء أن يكون سهلًا، منبسطًا، كثير الابتسام؟
ولو كان الكوني خلاف ذلك، لكرهته.
ولندمت على تلك الليالي التي قضيتها بين سطور كتبه.
كيف يخدعنا؟ يكتب عن جلمود الصحراء، ثم يتحول إلى رجل يراعي، ويجامل، ويهذب أفكاره حتى لا يستهجنها الناس؟
دعوا الكوني كما هو…
فبعض الكتّاب لو أصلحتَ طباعهم، أفسدتَ كتبهم.
ناصر ابوهمود




