تحقيقات

حين تُدان الضحية.. الابتزاز الإلكتروني في ليبيا بين القانون والوصم الاجتماعي

في القانون الليبي، يُصنَّف الابتزاز الإلكتروني غالبًا ضمن الجنح

 

تعرّضت براءة (اسم مستعار)، وهي امرأة في الثلاثين من عمرها، للابتزاز بنشر صورها الخاصة، عقب اختراق حسابها الشخصي على «فيسبوك» من قبل رجل كانت تظنّه حسن الأخلاق. هددها بنشر الصور في حال رفضت الخروج معه. تقول براءة لـ”مواطن” إنها لم تُخبر أهلها بما حدث؛ خوفًا من عدم تصديقها، ومن تحميلها مسؤولية ما جرى، كما لم تمتلك الجرأة على التواصل مع الجهات الأمنية. حاولت مماطلة الجاني، على أمل أن تجد مخرجًا ينهي الكابوس، إلا أن الأخير أقدم بالفعل على نشر الصور. لم تتوقف تبعات الابتزاز عند هذا الحد، إذ حُرمت براءة من استكمال دراستها الجامعية رغم أنها كانت في سنتها الأخيرة، كما مُنعت من استخدام الهاتف أو الخروج من المنزل لمدة أربع سنوات، إلى أن تزوجت.

تقول براءة إن أفراد أسرتها تمكنوا، بعد محاولات عدة، من الوصول إلى هوية الجاني، ليتبيّن أنه أحد السجناء المدانين بجريمة قتل. ورغم وجوده خلف القضبان، كان يتمتع بقدرة على استخدام الهاتف والخروج من السجن بفضل الوساطات. كما كُشف لاحقًا أن لديه شريكًا من جنسية أخرى، يتولى مهمة اختراق حسابات النساء واستدراجهن، تمهيدًا لابتزازهن.

أما جميلة (اسم مستعار)، من مواليد عام 1999، فقد حُرمت من مواصلة دراستها الجامعية بعد أن تعرّفت إلى شاب أوهمها بحسن أخلاقه لأكثر من عام، ما دفعها إلى الوثوق به، إذ لم يصدر عنه خلال تلك الفترة أي تصرف مشين. إلا أنها فوجئت لاحقًا بإرساله صورة خاصة بها، ليبدأ بعدها بابتزازها ماليًا. أعطته جميلة كل ما تملك من مال، لكن التهديدات لم تتوقف، واضطرت في النهاية إلى بيع هاتفها وكل ما تملكه من ذهب.

لجأت جميلة إلى أخيها، الذي ساعدها على الخروج من المأزق، لكنها لم تعد تعيش الحياة التي كانت تتوقعها؛ إذ فرض عليها الابتزاز قيودًا صارمة، كان من أبرزها حرمانها من مواصلة الدراسة.

في القانون الليبي، يُصنَّف الابتزاز الإلكتروني غالبًا ضمن الجنح عندما يقتصر الفعل على التهديد دون تنفيذ، وفي هذه الحالات يُحكم على الجاني إما بدفع غرامة مالية أو بالسجن لمدة لا تتجاوز عامين، وذلك بحسب حجم الضرر المادي أو المعنوي

 

أسماء أيضًا، (اسم مستعار) لفتاة من مواليد عام 2001، تروي لـ”مواطن” أنها خُدعت من قبل شاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أوهمها برغبته في الزواج منها. وعندما تمت خطبتها لشخص آخر، بدأ بابتزازها بصورها الخاصة مقابل الخروج معه. تدخل أحد أفراد العائلة، وتم حل المشكلة بشكل ودي، لكن بعد زواجها بفترة قصيرة، التقى الشاب بزوجها وأخبره أنه يملك صورًا لها، ما تسبب في طلاقها بعد أشهر قليلة من الزواج.

الابتزاز يولّد ابتزازًا آخر؛ إذ تروي إيمان (اسم مستعار) أنها تعرّضت للخداع من شاب وعدها بالزواج، قبل أن يبدأ بابتزازها بصورها الخاصة مقابل المال. ومع تصاعد التهديدات، لجأت إيمان إلى صديقتها طلبًا للمساعدة، التي استعانت بدورها بزوجها. وتقول إيمان لـ”مواطن” إن الشاب صرّح لهما صراحة بأن هذا الفعل هو عمله ومصدر رزقه. ولم تنتهِ معاناة إيمان عند هذا الحد، إذ سرعان ما وجدت نفسها تحت تهديدات زوج صديقتها، الذي ابتزّها وهدد بفضحها ما لم تخرج برفقته.

ظاهرة اجتماعية مسكوت عنها
بحسب المحامية فاطمة جبريل، لا يمكن حصر جرائم العنف الإلكتروني ضد النساء في ليبيا، إذ تشير إلى أن بعض الضحايا أُجبرن على مغادرة البلاد نتيجة الأضرار النفسية والاجتماعية التي لحقت بهن، فيما اضطرت أخريات إلى السرقة من أسرهن أو أماكن عملهن تحت وطأة الابتزاز المالي.

وتوضح جبريل لـ”مواطن” أن هذه الجرائم لم تعد تقتصر على الغرباء، بل امتدت لتشمل ابتزاز الزوج لزوجته، والأخ لأخته، وحتى رجل الأمن للضحية، في مؤشر على تراجع خطير في القيم الأخلاقية داخل المجتمع.

كما تشير إلى وجود شكاوى وقضايا رسمية عديدة تتعلق بالابتزاز الإلكتروني، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذه الجرائم لا يُبلَّغ عنه. وتضيف أن كثيرًا من النساء يلجأن إليها طلبًا للاستشارة القانونية، لكنهن يترددن في التقدم ببلاغات رسمية بسبب الإجراءات الأمنية التي تشترط الحضور الشخصي، وما يترتب على ذلك من تهديد للخصوصية والسمعة.

وتبيّن جبريل أن الإبلاغ يتم عبر تقديم شكوى إلى أقرب مركز شرطة أو إلى رئيس النيابة العامة خلال ثلاثة أشهر من وقوع الجريمة، على أن تُحال لاحقًا إلى جهات البحث الجنائي. غير أن الخوف الاجتماعي، بحسب قولها، يبقى العائق الأبرز الذي يدفع كثيرًا من الضحايا إلى الصمت.

إعداد :الزهراء البقار 

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى